السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمضيق هرمز.. لعبة الأقفال المزدوجة على رقعة الشطرنج الملتهبة!.. بقلم سعد الدين...

مضيق هرمز.. لعبة الأقفال المزدوجة على رقعة الشطرنج الملتهبة!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

تحولت أزمة مضيق هرمز من مجرد ممر مائي إلى قصة بالغة التعقيد والإثارة، تضرب بجذورها في عمق الجيوسياسة، لتغدو مسألة كرامة ونفوذ على رقعة الشطرنج العالمية. فمع اندلاع شرارة الحرب، ألقت إيران بورقتها الأقوى وأغلقت أبواب المضيق. في بادئ الأمر، تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع المشهد ببرود شديد وتجاهل متعمد، معتبراً أن الأمر لا يعني بلاده في المقام الأول، بل ورمى بالكرة في ملعب الدول الأخرى، داعياً إياها للتحرك وإيجاد حل لفتح هذا الشريان المائي.

ولكن، وكما هي عادة السياسة التي تحكمها لغة الأرقام، لم يصمد هذا التجاهل طويلاً. فمع استمرار إغلاق المضيق وبدء ارتداداته الزلزالية في ضرب عصب الاقتصاد العالمي، تبدلت النبرة الأميركية تماماً. تحول التجاهل إلى احتجاج صارخ، وتصاعدت حدة التوتر لتبلغ مستوى التراشق اللفظي والشتائم، حتى باتت مسألة إعادة فتح مضيق هرمز هي الهدف الأول والأساسي للحرب، بل وجرى تحديد موعد نهائي حاسم لتحقيق هذه الغاية.

وفي مفارقة عجيبة تكشف عن عقلية الإدارة الأميركية، وما إن أُعلنت الهدنة، حتى تفتق ذهن ترامب عن استراتيجية غريبة؛ فقد رأى أن السبيل الوحيد لفتح “قفل” مضيق هرمز يكمن في إحكام إغلاقه بـ “قفلين”! وبناءً على ذلك، أعلن فرض حصار على المضيق، في محاولة واضحة لقلب الطاولة، وتحويل هذه “الفرصة” الاستراتيجية التي تمتلكها طهران إلى “تهديد” يخنقها هي بالذات.

في خضم هذه المعمعة، كان الداخل الإيراني يخوض نقاشاته الخاصة. غير أن تلك النقاشات، وبدلاً من أن تركز على الأبعاد الجيوسياسية والأمنية العميقة لهذا الممر الحيوي، انزلقت إلى اختزال قيمته الاستراتيجية في مجرد فكرة تحصيل رسوم عبور من السفن، وبدأت تطفو على السطح أرقام وحسابات مالية وصفت بالغريبة والمبالغ فيها، مبتعدة عن جوهر الصراع القائم.

ولعبة شد الحبل هذه شهدت بالأمس فصلاً جديداً، حين أعلنت طهران السماح بحرية الملاحة في المضيق حتى نهاية فترة الهدنة المقررة يوم الأربعاء من هذا الأسبوع. وبذلك، انفتح القفل الرئيسي بشكل مؤقت، وعادت الحياة تدب في أوصال المضيق مع عبور ناقلات النفط والسفن التجارية العالمية.

هذا الانفراج المؤقت تلقفه ترامب بنشوة المنتصر، معرباً عن سعادته البالغة بما وصفه بإعادة الفتح الكامل والدائم لمضيق هرمز. لكنه، وفي اللحظة ذاتها، سارع للتأكيد على أن الحصار البحري المفروض على إيران سيبقى مستمراً ولن يُرفع. هذا الموقف الأميركي المزدوج خلق حالة سريالية فريدة؛ وكأن أقفال مضيق هرمز قد فُتحت أمام العالم أجمع، لتُغلق في وجه إيران وحدها!

إلا أن الرياح في هذه المنطقة نادراً ما تشتهي بما تطلبه السفن الأميركية. فلم تمضِ سوى ساعات قلائل على تلك التصريحات، حتى جاء الرد الإيراني الحاسم اليوم على لسان المتحدث باسم مقر “خاتم الأنبياء”، معلناً إعادة الأمور إلى المربع الأول، وعودة إغلاق المضيق إلى وضعه السابق، رداً على التعنت الأميركي واستمرار الحصار. لتستمر بذلك فصول هذه الرواية المائية المعقدة، وتبقى خطوط الملاحة رهينة لقرارات سياسية تتقلب على صفيح ساخن.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات