الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل يغرد عراقجي خارج سرب الحرس الثوري؟.. بقلم لطفي الشناوي

هل يغرد عراقجي خارج سرب الحرس الثوري؟.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

في دهاليز السياسة الإيرانية، ثمة قاعدة ذهبية يغفل عنها الكثير من المتابعين من الخارج: النظام في طهران ليس كتلة صماء أو “تراتبية” عسكرية جامدة تتحرك بضغطة زر واحدة من الأعلى إلى الأسفل، بل هو أقرب إلى “أوركسترا” سياسية معقدة، حيث تعزف كل مؤسسة على آلتها الخاصة وبنوتتها المستقلة، لكنها في نهاية المطاف تنتج لحناً موسيقياً واحداً ومعزوفة استراتيجية متسقة.

وما أثاره دونالد ترامب مؤخراً من لغط حول التباين بين تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن “فتح المضيق” ورد فعل الحرس الثوري الذي أعلن إغلاقه، ليس إلا فصلاً جديداً من فصول هذه الديناميكية الإيرانية الفريدة. هذا التباين لا يعكس تفككاً أو تناقضاً بقدر ما يعكس “توزيع أدوار” احترافياً تفرضه طبيعة التحديات؛ فالخارجية تعزف بلغة الدبلوماسية الهادئة، بينما يقرع الحرس الثوري طبول الردع، ليشكلا معاً مشهداً متكاملاً يربك الخصم ويحمي المصالح القومية.

لفهم ما جرى، يجب التوقف عن قراءة المشهد الإيراني كصراع بين “حمائم” و”صقور”؛ فالحقيقة أن كافة القوى الفاعلة، من الحكومة إلى الحرس الثوري وصولاً إلى التيارات السياسية المتباينة، تتحرك جميعها تحت سقف مبادئ استراتيجية موحدة. الخلاف هنا ليس على “القبلة” السياسية، بل هو تنوع في “الأدوات” للوصول إليها. وما بدا تناقضاً في قضية المضيق كان رداً واقعياً ومنسجماً مع سلوك الطرف الآخر؛ فحين فتحت الخارجية باباً للمرونة وقوبلت بصلف من ترامب وإصرار على الحصار، كان لزاماً على “الآلات الخشنة” في الأوركسترا أن تتدخل لإعادة التوازن لميزان الردع، تأكيداً على أن الدبلوماسية مدعومة بالقوة وليست بديلاً عنها.

إن هذه “التعددية المؤسسية” داخل بنية السلطة الإيرانية هي سر قوتها واستمراريتها، حيث تلعب القيادة دور “المايسترو” الذي يضمن بقاء كافة العازفين ضمن الإيقاع العام للدولة. هذا التعدد في الرؤى ليس ضجيجاً، بل هو دليل حيوية يحول دون الجمود السياسي، ويسمح للنظام بالمناورة على جبهات متعددة في آن واحد بمرونة عالية.

في نهاية المطاف، أثبتت التجربة أن الرهان على تصدع “المبادئ” الإيرانية نتيجة تباين “التصريحات” هو رهان على سراب. فإيران، بآلياتها وتوازناتها الداخلية، تتقن فن تحويل اختلاف الآراء إلى سمفونية سياسية متسقة أمام العالم. وبغض النظر عن هوية من يتحدث عن “فتح” أو “إغلاق” المضيق، تبقى الحقيقة الثابتة هي أن الجميع في طهران يقرأ من ذات الكتاب، وأن كل آلة في هذه الأوركسترا، مهما بدا عزفها منفرداً، تصب في مصلحة اللحن الاستراتيجي الأكبر للدولة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات