سودان تمورو
لم تمض سوى خمسين يوماً، حتى تبدل المشهد كلياً؛ فبعد أن كانت إمدادات النفط والغاز تنساب عبر المضائق البحرية بهدوء كعبور السفن في جنح الليل، أحالت الحرب الدائرة في المنطقة هذه المعابر الجغرافية إلى أسلحة استراتيجية فتاكة بيد من يمتلك مفاتيحها. واليوم، وعقب إعادة فتح الأسواق، يعود شبح ارتفاع أسعار الطاقة ليخيم على العالم، حيث يتداول خام غرب تكساس الوسيط عند مستويات تقارب 89 دولاراً للبرميل، بينما يلامس خام برنت حاجز الـ 95 دولاراً. ليس هذا الارتفاع مجرد وميض أرقام على شاشات التداول، بل هو جرس إنذار يؤكد أن مضيق هرمز قد استحال إلى العقدة المركزية في هذا الصراع، تلك العقدة التي باتت تحبس أنفاس العالم بأسره.
وعلى أرض الواقع، تنطق الوقائع بما هو أدهى، إذ تشير التقارير إلى شلل شبه تام في الحركة الملاحية عبر المضيق، حيث ترسو مئات السفن في انتظار إذن العبور من طهران، في حين أُجبرت ناقلات نفط عديدة على تغيير مساراتها بتكلفة باهظة. وتذهب التقديرات إلى أن نحو 600 مليون برميل من النفط قد حُجبت عن السوق العالمية خلال فترة الحرب الحالية وحدها، مما يشكل صدمة عنيفة لمعادلة العرض والطلب. وفي بحر عُمان، لا يقل المشهد احتقاناً؛ فقد أقدمت القوات الأميركية على اعتراض سفينة شحن إيرانية، مستهدفة غرفة محركاتها بالنيران قبل أن يعتليها مشاة البحرية، وهو تصعيد وصفته طهران بـ”القرصنة البحرية” والانتهاك الصارخ لوقف إطلاق النار، متوعدة برد حتمي. وفي المقابل، حسم الحرس الثوري الإيراني موقفه بتأكيده أن المضيق سيبقى مغلقاً بحكم الأمر الواقع حتى يُرفع الحصار البحري.
وفي الكواليس الدبلوماسية، تبدو المساعي متعثرة، فإرسال واشنطن مبعوثاً إلى إسلام آباد قوبل بتجاهل إيراني صريح، عبر عنه المسؤول إسماعيل بقائي بتأكيده أن هذا التحرك “لا يعني طهران، ولا نية للذهاب حالياً”، بينما وضعت باكستان النقاط على الحروف بإبلاغها الجانب الأميركي أن جذر الأزمة يكمن في الحصار البحري ذاته. ولم تتوقف ارتدادات هذه الأزمة عند حدود الشرق الأوسط، بل تمددت عالمياً؛ إذ تضاعفت تكاليف وقود السفن، وباتت سلاسل التوريد الأميركية على شفا اضطراب كارثي، لدرجة أن فتح المضيق غداً لن يعيد الأمور إلى نصابها قبل مرور أشهر طويلة.
أما في الداخل الأميركي، فقد تجلت التداعيات في قفزة بأسعار البنزين بلغت نحو 35%، مصحوبة بموجة تضخم تزيد من وطأة الأزمة. ولم تكن صناديق الثروة السيادية في دول الخليج بمنأى عن هذه العاصفة، إذ ترزح تحت ضغوط مالية خانقة، ليس فقط جراء خسائر الحرب التي تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات، بل أيضاً بسبب تجميد الأموال في أصول ومشاريع تفتقر إلى السيولة. وفي هذا السياق، تكشف تقديرات صحيفة نيويورك تايمز أن فاتورة الحرب تكبد الولايات المتحدة ما بين 25 و35 مليار دولار، في حين تتحدث تقارير أخرى عن خسائر تناهز 50 مليار دولار تكبدتها صناعة النفط، لتخلص الصحيفة إلى حقيقة دامغة: لقد نجحت إيران، قبل أي شيء، في خلق معادلة ردع قوامها الجغرافيا.
وفي مسارح عمليات موازية، تتكامل الصورة الاستراتيجية؛ فمن اليمن، تخرج التهديدات بإغلاق مضيق باب المندب مصحوبة بوعيد بأن “الجن والإنس لن يفتحوه إلا بإذن الله”، في رسالة تحدٍ واضحة. وشمالاً، في جنوب لبنان، تعترف إسرائيل بتساقط قتلى في صفوف جنودها، ليرتفع إجمالي الخسائر البشرية المعلنة منذ بدء الاشتباكات إلى 15 قتيلاً على الأقل. وبدوره، يعلن حزب الله عن تدمير دبابات ومعدات إسرائيلية، مرسياً معادلة جديدة مفادها أن الأمس ليس كاليوم، وأي انتهاك لوقف إطلاق النار لن يمر دون عقاب.
في المحصلة، يثبت المشهد الراهن أن الحروب الحديثة قد تجاوزت المفهوم التقليدي لاشتباك الصواريخ والطائرات، لتتحول إلى حروب مضائق، وجغرافيا، واستنزاف اقتصادي، وخنق لسلاسل الإمداد. لقد أدرك العالم، ربما متأخراً، أن موازين القوة لم تعد تقاس بتعداد الجيوش وترساناتها فحسب، بل بمدى القدرة على تحويل التضاريس إلى سجن للأعداء، أو إلى سيف مسلط على رقبة الاقتصاد العالمي. إن التاريخ يعيد كتابة نفسه اليوم، ولكن بحبر جديد، وبيد من يمتلكون مفاتيح المضائق.
