سودان تمورو
بخروج مفاجئ وسارٍ “بمفعول فوري”، غادر وزير البحرية الأمريكي جون سي فيلان منصبه، وفق إعلان رسمي من البنتاغون
الخطوة التي جاءت بعد أشهر من التوتر مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، وبعد أسابيع فقط من إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج وجنرالين آخرين، تفتح الباب أمام تساؤلات متصاعدة: هل دخلت إدارة الرئيس ترامب مرحلة “تآكل داخلي”؟ وهل تنتقل عدوى الخلافات إلى الحزب الجمهوري نفسه؟
أولاً: تسلسل زمني للهزات داخل البنتاغون إقالة رئيس الأركان وجنرالين:
قبل أسابيع، أقدم وزير الدفاع بيت هيغسيث على إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي، الجنرال راندي جورج، ومعه جنرالين من كبار القادة. التبرير الرسمي غاب، لكن التسريبات تحدثت عن “خلاف في الرؤية الاستراتيجية” و”اعتراض على تسييس المؤسسة العسكرية”.
سقوط وزير البحرية:
أمس، أعلن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن الوزير جون سي فيلان “بصدد مغادرة الإدارة، على أن يكون ذلك ساريًا بشكل فوري”. وكُلف وكيل الوزارة، هونج كاو، بتولي المنصب بالإنابة.
المفارقة الصادمة ان فيلان ألقى قبل يوم واحد فقط كلمة أمام حشد من البحارة وقادة الصناعة في المؤتمر السنوي للبحرية بواشنطن، وتحدث للصحفيين عن “برنامجه الجاري” ويعكس الرحيل بهذه السرعة قرارًا فوقيًا لا يتحمل التأجيل.
صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن الإقالة جاءت “عقب أشهر من التوتر” بين فيلان وهيغسيث، في مؤشر على صراع صلاحيات داخل وزارة الدفاع.
ثانيًا: ملامح الخلافات المتصاعدة داخل الإدارة وغياب التجانس في التعيينات ففيلان لم يخدم في الجيش قط، ولم يتول منصبًا قياديًا مدنيًا في المؤسسة العسكرية قبل ترشيح ترامب له واثار تعيينه منذ البداية امتعاض الضباط المحترفين، واعتُبر محاولة لفرض “ولاء سياسي” على البحرية.
صدام الرؤوس الكبيرة: وزير الدفاع بيت هيغسيث، المذيع السابق والمعروف بولائه المطلق لترامب، يسعى لإعادة تشكيل البنتاغون وفق أجندة “أمريكا أولاً” بنسختها الأكثر حدة. واصطدامه بقادة عسكريين تقليديين، ووزراء مدنيين غير منسجمين مع أسلوبه، أنتج سلسلة إقالات غير مسبوقة في توقيتها.
توسع الدائرة: الحديث لا يقتصر على الدفاع. تسريبات من البيت الأبيض تتحدث عن توتر بين الرئيس ووزيرة العمل، وخلافات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة حول ملف أوكرانيا وإيران وبات نمط “المغادرة الفورية” سمة متكررة، ويوحي بأن الولاء الشخصي مقدم على الكفاءة المؤسسية.
ثالثًا: هل نحن أمام أزمة جمهورية؟ الكونغرس يترقب: نواب جمهوريون في لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات عبّروا في جلسات مغلقة عن “قلق بالغ” من تسييس البنتاغون واعتبروا ان إقالة ضباط كبار بلا شفافية قد تتحول إلى جلسات استماع علنية تُحرج البيت الأبيض قبل انتخابات التجديد النصفي.
انقسام الأجنحة: الحزب الجمهوري منقسم بين “جناح ترامب” الشعبوي، و”الجناح المؤسسي” الذي يمثله ميستش ماكونيل وليز تشيني سابقًا وتعطى الاستقالات المتتالية الجناح المؤسسي ذريعة للقول إن “الإدارة لا تستطيع حكم نفسها، فكيف تحكم البلاد؟”.
المانحون والانتخابات: كبار المانحين الجمهوريين ينظرون إلى الاستقرار كأولوية اذ ان فوضى التعيينات في الدفاع والعمل تُضعف صورة “الحزب القادر على إدارة الدولة”، وقد تدفع بعض التمويلات نحو مرشحين أكثر هدوءًا في الانتخابات التمهيدية المقبلة.
العامل العسكري: القاعدة الجمهورية فخورة بالجيش. وإقالة جنرالات يحظون باحترام شعبي، وتعيين مدنيين بلا خبرة، يخلق شرخًا مع المحاربين القدامى وقد استطلاع داخلي للحزب إلى تراجع 6 نقاط في تأييد ترامب بين العسكريين المتقاعدين خلال شهرين.
رابعًا: السيناريوهات المقبلة سيناريو الاحتواء: يتدخل كبار الجمهوريين في مجلس الشيوخ لفرض “تهدئة” على البيت الأبيض، وتُملأ المناصب الشاغرة بشخصيات توافقية و تُحاصر الازمة داخل أسوار الإدارة.
سيناريو التمدد: استمرار الإقالات يصل إلى وزارات أخرى كالخارجية والأمن الداخلي. ويتحول الخلاف إلى انشقاق علني في الكتلة البرلمانية، وتبدأ أصوات جمهورية بالمطالبة بـ”تصحيح المسار” قبل 2026. سيناريو الانفجار: إذا طالت الإقالات رئيس هيئة الأركان المشتركة أو مدير CIA، فقد نشهد استقالات جماعية أو شهادات صادمة أمام الكونغرس. حينها يدخل الحزب الجمهوري أزمة هوية حقيقية بين “الولاء للرئيس” و”الولاء للمؤسسات”.
ان المؤسسات أقوى من الأشخاص.. لكن إلى متى؟إدارة ترامب تعيد تعريف العلاقة بين السياسي والعسكري على وقع “المغادرة الفورية”. وخروج وزير البحرية ليس حدثًا معزولاً، بل حلقة في سلسلة تصدّع تضرب تماسك الإدارة. والتاريخ الأمريكي يعلمنا أن البنتاغون يستوعب العواصف، لكن الحزب الجمهوري أمام اختبار: هل يصطف خلف الرئيس مهما كلف الأمر، أم يعيد ضبط البوصلة قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمة ثقة مع الناخب؟ الإجابة لن تأتي من البيت الأبيض، بل من ردهات الكونغرس، وصناديق اقتراع التجديد النصفي. وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال معلقًا: من سيغادر الإدارة غدًا؟
