الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتسوية بشروط إيران أم انفجار بإيقاع نتنياهو؟ شرحبيل الغريب

تسوية بشروط إيران أم انفجار بإيقاع نتنياهو؟ شرحبيل الغريب

سودان تمورو

تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة شديدة الحساسية، إذ تتصاعد مؤشرات المواجهة بين القوى الإقليمية والدولية وسط مشهد سياسي وأمني بالغ التعقيد.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تتداخل الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، لتضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على التسوية أو الانفجار، وقد أثبتت إيران أنها لا تخضع للضغط أو التهديد أو الابتزاز، إذ إن اعتراف الولايات المتحدة بقوة إيران في الميدان وعلى طاولة التفاوض قد يدفع العملية التفاوضية إلى الأمام لا العكس، رغم كل ما نسمع.

كل ما جرى خلال المواجهة الأخيرة، وصولًا إلى جولة المفاوضات، يلخص المشهد بأن ما يحدث هو صراع إرادات حقيقي بين قوى تسعى لفرض شروطها على طاولة التفاوض، وأخرى تدفع في اتجاه عودة الانفجار كخيار لإعادة رسم التوازنات. وفي قلب هذه المعادلة، تتصدر طهران كقوة تفرض إيقاعها، مقابل طموحات نتنياهو الذي يلوّح بورقة التصعيد مجددًا، بينما يجد دونالد ترامب نفسه عالقًا بين ضغوط داخلية متناقضة وحسابات خارجية قد تحدد مصير المرحلة بأكملها.

المواقف الإيرانية المعلنة تعكس سلوكًا مغايرًا هذه المرة، فلم يعد ممكنًا قراءة هذه المواقف في إطار ردود الفعل، بل باتت طهران تمارس دور الفاعل الذي يعيد صياغة قواعد الاشتباك، إذ نجحت في ترسيخ معادلة ردع متعددة الأبعاد، جمعت بين القوة العسكرية والامتداد الإقليمي وصناعة الحلفاء والقدرة على الصمود في وجه العقوبات الاقتصادية، هذا التحول لم يمر مرور الكرام في دوائر القرار الدولية، بل فرض واقعًا جديدًا وولّد قناعات مغايرة، إيران دولة لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن فرض شروط عليها من دون كلفة باهظة.

ولعل هذا الإدراك هو ما يعيد إحياء خيار التفاوض، لكن بشروط مختلفة عما كان عليه في السابق، فالمفاوضات في هذه المرحلة لم تعد أداة لاحتواء إيران كما خطط لها، بل باتت مسارًا لإدارة التوازن معها، وهنا تكمن المفارقة، فالقوة التي أرادت بعض الأطراف التخلص منها أصبحت اليوم واقعًا وسببًا في فتح باب التفاوض والجلوس إلى طاولة الحوار.

في المقابل، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب اختبارًا سياسيًا معقدًا، إذ تتداخل الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية بشكل غير مسبوق، وإذا سلّطنا الضوء على حقيقة الأوضاع في الشارع الأميركي، نجده منهكًا بسبب الحروب الممتدة، ولم يعد مستعدًا لدفع كلفة مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل أزمات اقتصادية متراكمة، ومع اقتراب الانتخابات النصفية، يتحول أي قرار عسكري قد يتخذه ترامب إلى مقامرة سياسية محفوفة بالمخاطر.

في أميركا معروف أن الاقتصاد ليس مجرد عامل ثانوي، بل هو عنصر أساسي ضاغط في صلب القرار الأميركي. فالتصعيد مع إيران يعني عمليًا اضطراب كل شيء وعلى رأسها أسواق الطاقة، وارتفاع الأسعار، وتفاقم الضغوط المعيشية داخل الولايات المتحدة، ما يجعل خيار الحرب عبئًا انتخابيًا على ترامب أكثر منه ورقة قوة يمكن توظيفها.

على الزاوية الأخرى من الصورة، تقف ضغوط لا تقل تأثيرًا، قادمة من الحليف الأكبر لواشنطن، وهنا أتحدث تحديدًا عن “إسرائيل”، وبالأخص بنيامين نتنياهو، الذي يرى في هذه اللحظة فرصة استراتيجية لإعادة توجيه بوصلة الصراع نحو مواجهة مباشرة مع إيران، فبالنسبة له لا تمثل الحرب مجرد خيار أمني، بل أداة سياسية لإعادة ترتيب الداخل الإسرائيلي وتجاوز أزماته المتفاقمة، خصوصاً أنه خاض مواجهات مع جبهات متعددة ولم ينجح في حسم أي منها.

وفق آخر استطلاعات الرأي في “إسرائيل”، تتقدم المعارضة بشكل واضح على نتنياهو، ما يجعله يدرك أن التصعيد الخارجي قد يكون وسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن التحديات السياسية والملفات القضائية التي يواجهها، لكنه في الوقت ذاته يغامر بدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة مع طرف يمتلك هذه المرة أدوات ردع حقيقية قادرة على توسيع نطاق الحرب بشكل غير محسوب.

وبين هذه الضغوط المتقاطعة والمصالح، تتعقد خيارات ترامب أكثر فأكثر فهو مطالب بتهدئة الساحة وتجنب الحرب وتبعاتها داخلياً، ومن جهة أخرى، بالحفاظ على التزاماته تجاه حليفته “إسرائيل” وعدم الظهور بمظهر المتراجع أمام إيران، وهذا التناقض قد يدفعه إلى تبني استراتيجية مزدوجة عنوانها تصعيد محسوب لرفع سقف التفاوض من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

يزداد المشهد تعقيدًا مع وجود ملفات حساسة يمكن استخدامها كورقة ضغط داخل مراكز النفوذ الأميركية، مثل قضية جيفري إبستين، التي تعكس طبيعة الصراع الخفي بين مراكز القوى هناك، حيث تتداخل السياسة مع المصالح والنفوذ، ما يضيف طبقة أخرى من الضغط على صانع القرار الأميركي ويجعل خياراته أكثر تعقيدًا.

في المقابل، تبدو طهران اليوم أقل تأثرًا بهذه الضغوط الآنية، إذ تتحرك وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فهي لا تقيس مكاسبها بمعايير زمنية قصيرة، بل تراكم أوراق القوة تدريجيًا، مستفيدة من أخطاء خصومها وتناقضاتهم، وهذا الفارق في إدارة الزمن السياسي يمنحها أفضلية في التفاوض، إذ تراهن على أن الوقت يعمل لصالحها.

وهنا أتحدث عن استراتيجيتين واضحتين تعكسان تباينًا بين منطق الوقت الانتخابي في واشنطن والوقت الاستراتيجي في طهران. الرئيس ترامب أكثر ما يهمه الآن هو البحث عن إنجاز سريع يخفف الضغوط الداخلية عليه، بينما تعمل إيران وفق قراءتي للعقل الإيراني على تثبيت مكاسب طويلة الأمد، حتى لو استدعى ذلك مزيدًا من الصبر والكلفة.

ورغم كل مؤشرات التصعيد، لا يزال باب التفاوض مفتوحًا، بل ربما أصبح ضرورة آنية، فواشنطن تدرك أن كلفة المواجهة مرتفعة وباهظة، وطهران تعلم أن تثبيت مكاسبها يحتاج إلى اعتراف دولي، لكن المشكلة تكمن في فجوة الشروط، إذ يسعى كل طرف إلى فرض رؤيته قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.

في هذا السياق، لا يعكس التوتر الإقليمي تناقضًا مع الحديث عن التفاوض، بل يشكل جزءًا منه فالتصعيد غالبًا ما يكون أداة لتحسين شروط التفاوض ورفع سقف المطالب، وهذا ما يفسر حالة الازدواجية في المشهدية، تهديدات متبادلة من جهة، وجهود وساطة موازية ورسائل غير مباشرة، من جهة أخرى.

المنطقة وأمام كل الحسابات الاستراتيجية باتت تقف أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تسوية سياسية تُبنى على توازن الردع الجديد وتعكس صعود الدور الإيراني، أو انفجار جديد تدفع إليه حسابات نتنياهو في محاولة لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية يوظف سياسياً، وبين هذين المسارين، يبقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسير الخيارات في موقع يحاول فيه تجنب الخسارة أكثر من سعيه لتحقيق انتصار حاسم، وهذا يعكس صورة من صراع الإرادات بين إيران والولايات المتحدة بلغ ذروته، ولم يعد بالإمكان تأجيله طويلًا. إذاً، نحن أمام مشهدية عنوانها إما أن تفرض موازين القوة تسوية جديدة تعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة على قاعدة مصالح طهران الوطنية ومصلحة حلفائها أولاً، أو ينفلت المشهد نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود السيطرة.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات