سودان تمورو
من نافلة القول في عالم السياسة الدولية أن الدول الكبرى تلجأ أحياناً إلى التضليل الإعلامي، لكن الإدارة الأمريكية طورت استراتيجية فريدة ومكشوفة في تعاطيها مع طهران، تعتمد على قاعدة ثلاثية بسيطة: “اصنع الكذبة، روج لها، ثم اخرج للتعليق عليها وكأنها حقيقة واقعة”. هذه الآلية المنهجية في كي الوعي تتجلى بوضوح في طريقة تناول واشنطن للداخل الإيراني، حيث لا تنفك الماكينة الإعلامية والسياسية الأمريكية عن الترويج لوجود انقسامات وخلافات عميقة تعصف بأروقة صنع القرار هناك، في محاولة بائسة لتصوير التعددية الطبيعية على أنها انهيار وشيك.
وما التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلا حلقة جديدة في مسلسل هذه الفبركات. فقبل أيام معدودة، خرج ترامب ليروج لقصة مختلقة تماماً حول اعتقال ثماني فتيات في إيران، ثم عاد بكل ثقة ليعلق على ادعاءاته الخاصة، مدعياً أن الضغوط أوقفت عملية إعدامهن، في حين أن المتابع البسيط للأحداث يدرك أن القصة برمتها لا وجود لها إلا في مخيلة صانعها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد للترويج بأن إيران تعيش حالة من التخبط المزعوم في مسألة تحديد هوية القيادة، وأن هناك صراعاً طاحناً بين ما يسميهم “المتشددين” و”المعتدلين”، وصولاً إلى الادعاء المثير للسخرية بأن واشنطن تحكم سيطرتها المطلقة على مضيق هرمز وتغلقه تماماً متى شاءت دون اعتبار لسيادة طهران على مياهها.
اللافت في هذا الخطاب، والذي يؤكده باحثون ومراقبون في الداخل الأمريكي نفسه، ليس فقط طبيعة ترامب الانفعالية، بل إن هذه السردية الموهومة باتت تسيطر فعلياً على تفكير النخبة داخل البيت الأبيض. لكن ما يعلمه الأمريكيون جيداً ويتعمدون تجاهله ببراغماتية فجة، هو طبيعة الديناميكية السياسية في طهران. فلا شك أن اختلاف وجهات النظر موجود في كل دولة، وهو ظاهرة صحية تفيد بالضرورة في إنضاج مسألة اتخاذ القرار المناسب. غير أن هذا التباين التكتيكي بين السياسيين الإيرانيين يذوب تماماً وتنتفي أهميته بمجرد أن يصدر القرار الحاسم من قبل المرشد الأعلى، الذي يمثل مرجعية دستورية تملك الكلمة الفصل التي تنهي أي جدل.
بصفتي مراقباً عربياً لتطورات المشهد، يبدو جلياً أن واشنطن تخلط عن عمد بين التعددية السياسية الطبيعية وبين الضعف المؤسسي. إن محاولة تصوير هذا التباين على أنه أزمة حكم أو عجز عن إدارة مضيق حيوي كمضيق هرمز ليست سوى محاولة لخلق انتصارات في الفضاء الافتراضي، تعويضاً عن الإخفاقات الاستراتيجية على أرض الواقع. وفي النهاية، فإن اللعبة الإعلامية الأمريكية باتت مكشوفة؛ فترويج الأوهام قد يرضي غرور الساسة في واشنطن لبعض الوقت، ويغذي تقارير مراكز الدراسات، لكنه لا يغير من حقيقة أن القرار في طهران يمر عبر مؤسسات راسخة تنتهي بكلمة حاسمة تقطع دابر أي خلاف مزعوم.
