السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل تُساق أوروبا إلى "بيت الطاعة" الأميركي؟.. بقلم امانى عبد الرحمن

هل تُساق أوروبا إلى “بيت الطاعة” الأميركي؟.. بقلم امانى عبد الرحمن

سودان تمورو

يبدو أن التحالفات الإستراتيجية التي طالما تغنى بها الغرب ليست سوى غطاء شفاف يتبدد بمجرد أن تتلكأ العواصم الأوروبية في تلبية نداء النفير الأميركي. ففي تسريب خطير يحمل دلالات عميقة على طبيعة العلاقة بين ضفتي الأطلسي، كشف مراسل وكالة رويترز عن تفاصيل رسالة بريد إلكتروني داخلية مسربة من أروقة البنتاغون، تميط اللثام عن خيارات أميركية قاسية لمعاقبة حلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذنب هنا ليس سوى الاعتقاد الأميركي بأن هؤلاء الحلفاء لم يقدموا الدعم الكافي للعمليات القتالية والخطط الأميركية تجاه إيران. هذا التسريب لا يفضح فقط النوايا، بل يضعنا أمام حقيقة أن واشنطن لا ترى في أوروبا شريكاً، بل تابعاً يجب أن يُساق إلى “بيت الطاعة” متى ما اقتضت المصلحة الأميركية ذلك.

تفاصيل الخيارات المطروحة على طاولة وزارة الدفاع الأميركية، كما نقلها مسؤول أميركي، تعكس حالة من الاستعلاء غير المسبوق، وتكشف عن سياسة “لي الذراع” في أبشع صورها. من كان يتخيل أن تصل التهديدات إلى حد التلويح بتعليق عضوية دولة بحجم إسبانيا في حلف الناتو؟ أو أن تستخدم واشنطن ورقة الدعم الدبلوماسي لابتزاز حليفها التاريخي الأقرب، بريطانيا، عبر التهديد بمراجعة الموقف الأميركي من المستعمرات الأوروبية، وتحديداً التشكيك في السيادة البريطانية على جزر فوكلاند وتركها فريسة للمطالبات الأرجنتينية؟ ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل خططاً لتهميش وإقصاء ما أسمته الوثيقة بـ “الدول المزعجة” من تولي أي مناصب قيادية أو ذات مكانة مرموقة داخل هيكل الحلف.

هذه التسريبات تضع القارة العجوز أمام مرآة كاشفة لواقعها الجيوسياسي؛ فالولايات المتحدة حينما تقرر خوض غمار مواجهة -سواء كانت مباشرة أو بالوكالة- ضد طهران، فإنها لا تطلب من حلفائها التشاور أو إبداء الرأي، بل تطلب التبعية العمياء. إنها سياسة “من ليس معنا فهو ضدنا” تعود مجدداً، ولكن هذه المرة سيفها مسلط على رقاب الأصدقاء قبل الأعداء.
يبدو هذا المشهد مألوفاً، حيث تتكشف هشاشة الشعارات الغربية حول الديمقراطية والتكافؤ في العلاقات الدولية، ليحل محلها منطق القوة والهيمنة.

ولكن، لعل ما خلت منه هذه الرسالة المسربة هو الأكثر إثارة للانتباه والتحليل. فالخيارات العقابية الأميركية، رغم قسوتها، لم تتطرق من قريب أو بعيد إلى إغلاق القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في أوروبا، كما لم تُطرح أي فكرة تتعلق بانسحاب الولايات المتحدة ذاتها من حلف الناتو. هذا الاستثناء يؤكد حقيقة راسخة: واشنطن لن تتخلى عن إمبراطورية قواعدها العسكرية التي تضمن لها الهيمنة العالمية، ولن تهدم المعبد الذي بنته لخدمة نفوذها. هي فقط تريد تطويع الحلفاء، وتقليم أظافرهم، وتذكيرهم بأن مظلة الحماية الأميركية لها ثمن باهظ، يتمثل في التنازل المطلق عن استقلالية القرار السيادي حينما تدق طبول الحرب في واشنطن.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات