سودان تمورو
في زمن كان فيه هنري كيسنجر يصوغ السياسة الخارجية الأمريكية بعمق فلسفي ودهاء استراتيجي، كانت واشنطن تتحدث بلغة واحدة محسوبة، تزن كل كلمة قبل أن تخرج من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية. اليوم، في مشهد يكشف انحدار السقف السياسي للجمهورية الأمريكية، يطل علينا دونالد ترامب بتصريحات متناقضة حول الحرب، ليخرج مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية عبر شبكة إم إس ناو معلناً أن هذا التناقض الظاهر ليس ارتباكاً بل رسالة قوة، وأن ترامب وحده من يحدد متى تنتهي الحرب. الجملة الأخيرة ليست مجرد تصريح، بل إعلان عن نظام عالمي جديد تحكمه الفوضى بدلاً من الدبلوماسية المنضبطة.
المفارقة أن المسؤولين الأمريكيين أنفسهم يعترفون بالإحباط من حجم مكالمات ترامب مع الصحفيين وصعوبة مواكبتها والدفاع عنها. هذا الاعتراف يكشف أزمة عميقة في البنية السياسية الأمريكية، حيث لم يعد الرئيس أو المرشح الرئاسي يمثل امتداداً لمؤسسة دبلوماسية عريقة، بل أصبح ظاهرة فردية تتحرك خارج الأطر التقليدية، تخلق الحقائق بتغريدة أو مكالمة هاتفية، بينما تلهث الأجهزة الرسمية خلفه محاولة ترميم ما تحطم من بروتوكولات. هذا ليس مجرد أسلوب ترامب الشخصي، بل انعكاس لتحول جذري في طبيعة القيادة الأمريكية، حيث حلت الشعبوية والعفوية محل الحكمة والتخطيط الاستراتيجي.
ما يحدث اليوم هو أن الولايات المتحدة، التي كانت تقود العالم بعقول مثل كيسنجر وجورج مارشال، باتت تديره بمنطق رجل أعمال يرى في التناقض أداة تفاوضية، وفي الغموض ورقة ضغط. المشكلة أن هذا المنطق قد ينجح في صفقة عقارية، لكنه في السياسة الدولية يحول مصائر الشعوب إلى رهان على مزاج شخص واحد. عندما يصبح التناقض رسالة قوة، وعندما يعجز المسؤولون عن مواكبة تصريحات قائدهم، فنحن لسنا أمام استراتيجية جديدة، بل أمام فراغ استراتيجي يملؤه الارتجال. الحروب لا تنتهي بقرار فردي، مهما بلغت قوة صاحبه، بل بتوافقات معقدة وتوازنات دقيقة تتطلب عمقاً دبلوماسياً لم يعد متاحاً في زمن ترامب.
السؤال الحقيقي ليس عن قدرة ترامب على إنهاء الحرب، بل عن قدرة النظام السياسي الأمريكي على استعادة جديته. عندما ينخفض السقف إلى هذا الحد، وعندما يصبح الإحباط من تصريحات الرئيس جزءاً من الخطاب الرسمي، فإن الأزمة ليست في شخص ترامب، بل في النظام الذي سمح له بأن يصبح المعيار. الدبلوماسية الأمريكية التي رسمت خريطة العالم بعد الحرب العالمية الثانية، والتي أدارت الحرب الباردة بذكاء استراتيجي، تحولت اليوم إلى مسرح لرجل واحد يرتجل دوره، بينما يقف العالم حائراً بين تفسير تناقضاته أو الاستعداد لفوضاه. وفي هذه الأثناء، تستمر الحرب، وتتأرجح مصائر الملايين على إيقاع تغريدة قادمة.
