سودان تمورو
لا ينبغي النظر إلى مساعي إحياء خط سكة حديد الحجاز، الذي يربط بين تركيا وسوريا والأردن وصولاً إلى المملكة العربية السعودية، من زاوية ضيقة تعتبره مجرد مشروع ربط اقتصادي أو تجاري عابر. بل إن هذا التحرك يعكس في جوهره صعوداً لافتاً لمسار جديد يمثل آلية جيوسياسية بالغة الأهمية، تسعى أنقرة من خلالها إلى فرض رؤيتها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى في المنطقة. وفي هذا الإطار الاستراتيجي، يبرز هذا المشروع كنموذج حي وصارخ لما يُعرف بـ “جيوبوليتيك الممرات”، حيث لم تعد طرق التجارة وخطوط النقل مجرد شرايين لتدفق البضائع، بل باتت ساحات معقدة تعكس حدة التنافس الإقليمي، وتساهم في الوقت ذاته في إعادة صياغة موازين القوى وتحديد أدوار اللاعبين الأساسيين.
لكن ما هو أهم وأخطر من ذلك، أن هذا الممر الإقليمي يزيح الستار عن طبقة أعمق وأكثر شراسة من الصراع الجيو-اقتصادي والجيوسياسي الدائر رحاه بين تركيا وإسرائيل. فإذا كانت تل أبيب تسعى جاهدة لترسيخ موقعها الإقليمي وتثبيت هيمنتها اللوجستية من خلال الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، فإن تركيا لم تقف مكتوفة الأيدي، بل تدفع في المقابل باستراتيجية ممرات هجومية متعددة الطبقات لمواجهة هذا المخطط وكسر طوق العزلة الجيوسياسية.
وقد تجلت هذه الاستراتيجية التركية المضادة أولاً عبر انخراطها القوي والجاد في مشروع “طريق التنمية” العراقي الذي يربط الخليج بأوروبا عبر أراضيها، وتتأكد اليوم من خلال الدفع نحو إحياء سكة حديد الحجاز التاريخية لربط الشام بعمق شبه الجزيرة العربية. وبقراءة هذه التحركات المتسارعة، يتضح جلياً أننا لسنا أمام مجرد مشاريع للربط البيني وتسهيل النقل، بل نحن نشهد فصولاً حاسمة من معركة استراتيجية طاحنة، غايتها الكبرى هي فرض الهيمنة وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله.
