سودان تمورو
حين يقف أحد أبرز منظّري الواقعية السياسية في أمريكا ليقول إن الإيرانيين لن يرفعوا أيديهم استسلاماً أبداً، وإنهم سيقاتلون حتى آخر نفس، وإن واشنطن لا تملك استراتيجية رابحة في مواجهتهم، فهو لا يُطلق تصريحاً عابراً، بل يُسجّل اعترافاً استراتيجياً بفشل نموذج الهيمنة الغربي بأكمله أمام نموذج مختلف تماماً في المقاومة والصمود.
جون مرشايمر لم يكن يوماً من المتعاطفين مع إيران، ولا من المنحازين ضد السياسة الأمريكية، لكنه كمحلل بارد ينظر إلى الجغرافيا السياسية بعين الواقع لا بعين الأيديولوجيا، يدرك أن ما يجري في المنطقة ليس مجرد صراع بين دولة ودولة، بل بين منطق إمبراطوري استعماري قديم ومنطق مقاومة حضارية عميقة لا تُقهر بالحصار ولا بالتهديد.
الغرب اعتاد على وصفة جاهزة، مزيج من العقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري والحرب النفسية وبعض المناورات الدبلوماسية، ثم ينتظر أن تنهار الدولة المستهدفة وتأتي راكعة تطلب الصفح. هذه الوصفة نجحت في العراق حين دُمّر ومُزّق، ونجحت في ليبيا حين تحوّلت إلى ساحة فوضى، وطُبّقت في أفغانستان فتركتها خراباً، بل وحتى في أوكرانيا حيث تُستخدم كساحة استنزاف ضد روسيا. لكن مع إيران، الوصفة لا تعمل، والمعادلة مختلفة جذرياً.
لماذا؟ لأن إيران ليست مجرد كيان سياسي طارئ أو دولة حديثة التكوين يمكن تفكيكها بضغطة زر دبلوماسي أو عسكري. إيران هوية حضارية ضاربة في عمق التاريخ، أمة بُنيت على الاستقلال ورفض الهيمنة الأجنبية، شعب خبر الاستعمار وقاومه وطرده، وتشكّل وعيه الجمعي على أساس العزة والكرامة الوطنية قبل أي شيء آخر. هذا ليس شعاراً سياسياً، بل بنية ثقافية ونفسية عميقة تتجدد في كل جيل.
هذا الشعب الذي يحيي ذكرى عاشوراء كل عام ليس مجرد طقس ديني، بل هو تجديد لعهد المقاومة ورفض الظلم والاستبداد مهما كان الثمن. وحين يسير الملايين في الأربعين، فهم لا يمارسون شعيرة فحسب، بل يُعيدون إنتاج ثقافة الصمود والتضحية في الوعي الجماعي. هذا النوع من الشعوب لا يُهزم بالحصار، بل يزداد تماسكاً، ولا يُركع بالتهديد، بل يتحوّل التهديد إلى وقود لمزيد من الإصرار.
ما يواجهه الغرب في إيران ليس حكومة يمكن إسقاطها أو نظاماً يمكن تغييره بانقلاب أو حصار، بل أمة كاملة تملك ذاكرة تاريخية طويلة ووعياً حاداً بمعنى الاستقلال والسيادة. أمة لا تفصل بين كرامتها الوطنية وبين بقائها، ولا تقبل أن تكون تابعة أو خاضعة مهما كانت الإغراءات أو الضغوط.
لذلك، حين يُطبّق عليها ما يُسمى بـ”الضغط الأقصى”، لا تنهار كما توقع الاستراتيجيون الغربيون، بل تتحوّل إلى “مقاومة قصوى”. الضغط لا يولّد الاستسلام، بل يولّد مزيداً من الإبداع في المواجهة، مزيداً من التلاحم الداخلي، مزيداً من الإصرار على إثبات أن الإرادة الوطنية أقوى من كل آلة حرب وحصار.
هذا بالضبط ما بدأ يظهر الآن حتى في الخطاب النظري الغربي نفسه. مرشايمر لا يتحدث من فراغ، بل يُعبّر عن إدراك متأخر لحقيقة أن النموذج الإمبراطوري القديم لم يعد يعمل أمام شعوب تملك هوية حضارية راسخة ووعياً وطنياً عميقاً. الحرب على إيران ليست حرباً يمكن كسبها عسكرياً أو اقتصادياً، لأنها في جوهرها حرب على إرادة شعب، وإرادة الشعوب لا تُقهر بالصواريخ ولا بالعقوبات.
ما نشهده اليوم ليس مجرد صمود إيراني، بل انهيار تدريجي لوهم الهيمنة الغربية المطلقة، وبداية عصر جديد تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة الدولية على أساس احترام السيادة والاستقلال، لا على أساس الإملاءات والإذعان. وهذا درس لن ينساه التاريخ.
