سودان تمورو
في عملية شد الحبل التي تدور رحاها بين واشنطن وطهران، يبدو أن الطرفين لا يتبادلان القوة فحسب، بل يتبادلان الأدوار في تعريف “المبادرة”. حين يخرج الرئيس دونالد ترمب عبر “فوكس نيوز” معلناً إلغاء زيارة ستيفن ويتكوف وجاريد كوشنر للقاء الإيرانيين في إسلام آباد، فإن الخبر لا يكمن في “الإلغاء” بحد ذاته، بل في الحقيقة المرة التي ابتلعتها الدبلوماسية الأمريكية: أن طهران هي من سحبت الحبل بقوة الصمت والرفض، تاركةً الوفد الأمريكي يلملم أوراقه قبل أن تطأ قدماه أرض باكستان. لقد كان رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقاء الوفد هناك بمثابة رسالة سيادية واضحة، مفادها أن التوقيت والمكان ليسا مجرد تفاصيل تقنية، بل هما جوهر المعركة السياسية التي تخوضها إيران ببرود أعصاب يُثير حنق الخصوم.
إن الثابت في العقيدة الإيرانية هو الامتناع عن ابتداء العدوان العسكري، ليس فقط انطلاقاً من حسابات الربح والخسارة، بل من باب الرفض الأخلاقي والقانوني لبدء الصدام المسلح، حتى وإن تراكمت المسوغات التي تدفع نحو الانفجار. لكن هذا الكبح العسكري لا يعني بأي حال من الأحوال استكانة سياسية؛ بل على العكس تماماً، ففي الميدان الدبلوماسي، تبدو إيران وكأنها “المايسترو” الذي يسوق الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى حيث ومتى وكيف تشاء “بوصلة طهران”. إنها قدرة فائقة على تحويل الضغوط القصوى إلى فرص للمناورة، وجعل رياح المنطقة تجري دائماً بما تشتهيه سفن “الولي الفقيه” لا بما يخططه مهندسو “صفقات القرن”.
لقد أرادت واشنطن من لقاء إسلام آباد أن يكون منصة لفرض واقع جديد أو جس نبض بأسلوب “الصفقات الخاطفة”، لكنها اصطدمت بحائط الصد الإيراني الذي لا يُغلق الأبواب تماماً، بل يعيد ترتيب مفاتيحها. بامتناع عراقجي عن اللقاء، كانت طهران تقول للعالم إنها لا تهرول خلف القنوات الخلفية لمجرد اللقاء، وأن يدها التي لا ترتجف في الميدان هي ذاتها التي تمسك بريشة الرسم في قاعات التفاوض. وفي هذه اللعبة المعقدة، يجد الأمريكيون أنفسهم مضطرين للتراجع وإلغاء الزيارات، ليس لأنهم لا يريدون التفاوض، بل لأنهم أدركوا أن لا أحد في إنتظارهم وأن الدخول في نفق تقوده طهران يعني السير وفق إيقاعها هي، وهو إيقاع أثبتت الأيام أنه يعرف جيداً كيف يجعل “الرياح الطهرانية” تسود في نهاية المطاف.
