سودان تمورو
تثبت مجريات الحرب في السودان يوماً بعد آخر أن المعركة لا تُدار فقط بزخم النيران في جبهات القتال، بل تدور رحاها في غرف الاستخبارات وكواليس الولاءات القبلية. ومع ظهور علي رزق الله، الملقب بـ”السافنا”، المنحدر من صلب قبيلة الرزيقات (فرع المحاميد)، كأحدث المنشقين عن قوات الدعم السريع، يتأكد أن قيادة الجيش السوداني قررت تفعيل سلاح “التفكيك من الداخل” كخيار استراتيجي موازٍ للعمليات العسكرية، مستغلة التصدعات التي بدأت تضرب البنية القبلية التي قامت عليها قوات الدعم السريع.
هذا التحول في المشهد العسكري ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لسلسلة من الضربات السياسية والعسكرية التي وجهها الجيش لخصمه؛ فمنذ انشقاق أبوعاقلة كيكل، قائد قوات “درع السودان”، وما تبعه من شلل في قدرات الدعم السريع بوسط البلاد وصولاً إلى تحرير العاصمة، بدا أن خيار الاستقطاب يحقق نتائج عجزت عنها المدافع في شهور الحرب الأولى. وحين يستقبل القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، قيادات بوزن النور قبة ثم “السافنا”، فإنه يرسل رسالة واضحة مفادها أن باب العودة “لحضن الوطن” مفتوح، حتى لو تطلب الأمر تجاوز ملفات المحاسبة وتناسي الجرائم التي ارتكبت بزي الخصم، في سبيل غاية أسمى وهي تقصير أمد الحرب وحقن الدماء.
بيد أن هذا النجاح التكتيكي الباهر يحمل في أحشائه بذور خطر وجودي إذا لم يُدر بحذر شديد. إن استقطاب القادة الميدانيين دون “صهر” حقيقي لقواتهم داخل هيكل المؤسسة العسكرية الرسمية هو ممارسة تشبه السير في حقل ألغام؛ فالتاريخ السوداني المعاصر يغص بنماذج لمليشيات وقوات شبه نظامية احتفظت بكياناتها المستقلة وولاءاتها الضيقة، مما جعلها في نهاية المطاف أدوات للابتزاز السياسي والمناورة العسكرية ضد الدولة نفسها. إن القبول بوجود “جزر معزولة” داخل الجيش تقاتل تحت رايته لكنها تأتمر بأمر قائدها الميداني، يفتح الباب واسعاً أمام تجدد سيناريوهات التمرد والمطالب التعجيزية التي أدت بنا إلى هذه الهاوية.
إن ما تقتضيه المصلحة الوطنية اليوم ليس مجرد “تغيير الولاء”، بل “تذويب الكيانات”. لا يكفي أن يضع “السافنا” أو غيره من المنشقين يدهم في يد الجيش، بل يجب أن يخضع عناصرهم لعملية دمج كاملة تعيد توزيعهم على وحدات الجيش المختلفة، بعيداً عن الروابط القبلية أو الجهوية التي شكلت نواتهم الأولى. إن الدمج الحقيقي هو الضمانة الوحيدة لعدم صناعة “دعم سريع” جديد تحت مسمى آخر، وهو الإجراء الذي يحول دون تحول هؤلاء القادة إلى “أمراء حرب” يساومون الدولة ببنادقهم عند كل منعطف سياسي.
ختاماً، إن تفكيك الدعم السريع عبر استقطاب قياداته هو سلاح ذو حدين؛ فإما أن يكون خطوة نحو بناء جيش وطني مهني وموحد، وإما أن يكون مجرد إعادة تدوير للأزمة وتأجيل للانفجار القادم. إن العفو السياسي الذي تمنحه الدولة للمنشقين يجب أن يقابله انضباط عسكري مطلق، وتسليم كامل لمفاتيح القيادة والسيطرة للمؤسسة العسكرية، لضمان أن تظل البندقية موجهة نحو حماية الوطن، لا نحو ممرات السلطة وطموحات الأفراد.
