سودان تمورو
في المحيط الهندي، بعيداً عن أعين الرقابة الدولية وصخب المحافل الحقوقية التي لا تنطق إلا حين يناسب ذلك الرواية الغربية، تواصل البحرية الأمريكية ممارسة ما لا يمكن وصفه إلا بالقرصنة المنظمة تحت غطاء “تطبيق العقوبات”. الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن استيلاء واشنطن على شحنة نفطية بقيمة 380 مليون دولار، يُزعم أنها إيرانية، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من انتهاك السيادة الدولية والاستيلاء على ممتلكات الغير بذريعة القانون الأمريكي الذي تفرضه واشنطن على العالم كأنه دستور كوني.
الرواية الأمريكية تبدو مصنوعة بعناية لاستهلاك إعلامي سريع، فرقعة صوتية تُطلق في فضاء الأخبار لتحقيق أهداف سياسية أكثر منها قانونية أو أمنية. فالنفط الإيراني، كما يعلم الجميع في أسواق الطاقة العالمية، يجد طريقه إلى المشترين الآسيويين عبر شبكات تجارية معقدة، وما تسميه واشنطن “نفطاً إيرانياً” هو في الحقيقة ملك لتجار ووسطاء اشتروه بأموالهم ويتحملون مخاطر نقله وبيعه. لكن المنطق الأمريكي لا يعترف بهذه التفاصيل، فالهدف ليس حماية القانون الدولي بل فرض الهيمنة وإرسال رسائل تخويف لكل من يجرؤ على التعامل مع طهران.
ما يثير السخرية أن هذه الشحنة التي “صادرتها” البحرية الأمريكية في طريقها الآن إلى الموانئ الأمريكية، أي أن واشنطن لا تكتفي بمنع إيران من بيع نفطها، بل تسرقه وتستفيد منه مباشرة. هذا ليس تطبيقاً للعقوبات، بل سطو مسلح على أعالي البحار بغطاء من القوة العسكرية. ولو أن أي دولة أخرى فعلت ذلك لوُصفت بالقرصنة وطُولبت بمحاكمة دولية، لكن حين تفعلها أمريكا فهي “إجراء قانوني” و”حماية للأمن الدولي”.
الضجة الإعلامية المصاحبة لهذا الإعلان ليست عفوية، بل مقصودة لتحقيق أثر نفسي وسياسي. واشنطن تريد أن تقول للعالم إنها لا تزال قادرة على فرض إرادتها في أي مكان، وأن عقوباتها ليست مجرد حبر على ورق بل سيف مسلط على رقاب من يتحداها. لكن الحقيقة أن هذه الممارسات تكشف ضعفاً لا قوة، فالدولة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى سرقة النفط لإثبات نفوذها، والقانون الحقيقي لا يُطبق بالقوة العسكرية في المياه الدولية.
إيران لا تملك هذا النفط بعد بيعه، والتاجر الذي اشتراه يتحمل المخاطر التجارية والقانونية، لكن أمريكا تتجاهل هذه الحقيقة لأنها تريد خلق عدو وهمي تحاربه أمام الكاميرات. المشكلة أن هذا النهج يُفقد واشنطن مصداقيتها أمام العالم، ويجعل من خطابها عن القانون الدولي وحقوق الإنسان مجرد نفاق مفضوح. فكيف تطالب دولة باحترام القانون وهي أول من يخرقه؟ وكيف تدعي الدفاع عن الحرية وهي تمارس أبشع أشكال الهيمنة الاقتصادية؟
العالم يشهد اليوم تحولاً في موازين القوى، وممارسات كهذه لن تطيل عمر الهيمنة الأمريكية بل ستعجل بنهايتها. فالدول التي تشعر بالتهديد من هذا السلوك تبحث عن بدائل، والأسواق التي كانت تخضع للإملاءات الأمريكية بدأت تتمرد. أمريكا تصنع الكذبة وتروج لها، لكن الحقيقة أوضح من أن تُخفى: ما حدث في المحيط الهادي إن صح ليس تطبيقاً للقانون، بل قرصنة بحرية بثوب قانوني، وسرقة منظمة تحت راية النجوم والأشرطة.
