سودان تمورو
ثلاث محاولات اغتيال في ثلاث سنوات، وفي كل مرة ينجو الرجل بأعجوبة تليق بأفلام هوليوود أكثر مما تليق بالواقع. نيويورك تايمز تطرح السؤال الذي بات يؤرق المراقبين: أين الكفاءة الأمنية المفترضة حول رئيس لا يزال يحتل مركز الصدارة في المشهد السياسي الأميركي؟ وبينما نؤكد رفضنا القاطع للإرهاب واستنكارنا لاغتيال القادة، إذ ليس من ثقافتنا أن نقتل عدونا إلا وجهاً لوجه وسيفه في يده، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً في الهواء: هل يتعرض دونالد ترامب لمحاولات اغتيال حقيقية، أم أن المشهد برمته لا يعدو كونه مسرحية محكمة التوقيت؟
خلال الحملات الانتخابية السابقة، سارع أنصار ترامب إلى توجيه أصابع الاتهام نحو الديمقراطيين، واليوم تتحول البوصلة تلقائياً صوب الشرق الأوسط. جهتان لا تجمع بينهما أي قاسم مشترك: لا في الأيديولوجيا ولا في الجغرافيا ولا حتى في طبيعة العداء، لكن المستهدف واحد والسيناريو يتكرر بنفس الغموض. هذا التباين الصارخ بين المتهمين المفترضين، مع وحدة الهدف، يكفي وحده ليثير الشكوك حول حقيقة ما يجري. فإما أن الأجهزة الأمنية الأميركية تعاني من فشل ذريع غير مسبوق في حماية شخصية بهذا الثقل، وإما أن ترامب وجد في هذه المحاولات المزعومة وقوداً سياسياً لا ينضب، يغذي صورته كضحية ويعزز سردية المؤامرة التي طالما استثمر فيها.
المفارقة أن الرصاصة التي تخطئ ثلاث مرات متتالية تصيب الهدف السياسي في كل مرة. فكلما تكررت المحاولة، ارتفع منسوب التعاطف مع الرجل، وتصاعدت شعبيته بين قاعدته الانتخابية التي ترى فيه المقاتل الصامد أمام مؤامرة كونية. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من المستفيد الأكبر من هذه المحاولات الفاشلة؟ هل هم أعداء ترامب الذين يفشلون في كل مرة بشكل يثير السخرية، أم ترامب نفسه الذي يحصد من كل محاولة رأسمال سياسياً لا يقدر بثمن؟
نيويورك تايمز لا تتهم، لكنها تسأل. ونحن بدورنا لا نتهم، لكننا نلاحظ. نلاحظ أن التوقيت دائماً مثالي، والفشل دائماً مريب، والمستفيد دائماً واحد. نلاحظ أن المسرحية، إن كانت مسرحية، سيئة الإخراج لكن جمهورها يصفق بحماس. ونلاحظ أن الرصاصة التي تخطئ ثلاث مرات ربما لم تكن تقصد الإصابة من الأساس، بل كانت تستهدف هالة الضحية التي باتت أقوى سلاح في ترسانة ترامب السياسية.
