سودان تمورو
في دهاليز السياسة الأميركية، غالباً ما تفضح الزلات أو التصريحات العابرة عمق المأزق الإستراتيجي الذي تعيشه واشنطن. ولعل التصريح الأخير للمرشح الرئاسي والحاكم السابق لولاية نيوجيرسي، كريس كريستي، يمثل وثيقة اعتراف نادرة ودامغة؛ إذ وصف تعاطي دونالد ترامب مع الملف الإيراني بأنه يلعب “الداما” في ميدان يتطلب إتقان “الشطرنج”، ظناً منه أن طهران ستسقط كحجر دومينو تماماً كما كان في فنزويلا. هذا التصريح لا يعكس صحوة ضمير أميركية أو حزناً على ما أصاب المنطقة، بل يترجم حالة من الرعب المؤسساتي العميق من تبدد الهيمنة الأميركية التقليدية، والخوف من خروج واشنطن من هذه المعركة بإيران أكثر قوة وفتكاً من الناحية الإستراتيجية، تمتلك مفاتيح مضيق هرمز وقادرة على شل شرايين الاقتصاد العالمي متى شاءت.
لطالما اعتمدت الولايات المتحدة في ترويض خصومها على “كتالوج” نمطي ومكرر: حصار اقتصادي خانق، وحرب نفسية وإعلامية شرسة، ومحاولات دؤوبة لاختراق النسيج المجتمعي، ودعم لا محدود للمعارضات في الخارج، وصولاً إلى انتظار لحظة الانهيار الذاتي أو توجيه ضربة قاضية. لقد راهنت الإدارة الأميركية بصلف على أن بضع صدمات في سوق الصرف، واضطرابات في الشوارع، وعمليات استعراضية، ستكون كفيلة بتركيع طهران. بيد أن الخطيئة الكبرى تكمنت في قياس قامة إيران الجيوسياسية على مقاس دول أخرى؛ فإيران، كما أثبتت الوقائع وكما يعترفون هم اليوم، ليست فنزويلا.
إن المعضلة التي استعصت على الفهم الأميركي هي أنهم لم يتعاملوا مع مجرد جغرافيا سياسية يمكن عزلها، بل مع دولة ذات امتداد حضاري وبنية مؤسسية ومجتمعية متمرسة في “هندسة المقاومة”. فالأدبيات الغربية ذاتها باتت تقر بأن هذا النموذج المجتمعي يتصلب حتى النخاع كلما اشتدت عليه أدوات الضغط الخارجية. وبدلاً من أن يتشظى وينهار تحت وطأة التهديد، فإنه يعيد ترتيب صفوفه، مبتكراً قواعد اشتباك جديدة توسع من مساحة رقعة اللعب إلى خارج الحدود. لقد ظن ترامب وفريقه أن إغلاق منافذ الاقتصاد وتحريك قاذفات القنابل هو إعلان “نهاية اللعبة”، ليكتشفوا متأخرين أن السلاح الذي صُمم لسحق طهران، تحول ببراعة إلى أداة ضغط ورافعة نفوذ في يدها.
لكن، وفي خضم هذه القراءة، يبرز تساؤل جوهري ملح: من الذي باع للإدارة الأميركية هذا الوهم الساذج بأن إيران نسخة شرق أوسطية من فنزويلا؟ هل هي الآلة الإعلامية المضللة؟ أم هي تلك الأصوات في المنطقة التي أدمنت ترويج صورة العجز والوهن؟ الحقيقة أن كل هؤلاء أسهموا في صياغة هذا الوهم المسموم، غير أن العامل الأهم والأخطر، والذي يتطلب منا كعرب ومراقبين التوقف عنده طويلاً، كان يكمن في مسلكيات التفاوض السابقة التي أوحت للخصم بالضعف والاحتياج. إن هذا الانكشاف التفاوضي هو الذي شجع واشنطن على التمادي، وهو ذاته الدرس القاسي الذي يحرم تكراره في أي مشهد سياسي أو دبلوماسي قادم، إذا ما أريد لهذه البنية الصلبة أن تحافظ على مكتسباتها في مواجهة عواصف الإقليم.
