سودان تمورو
هل تصنع النخبة الأمريكية الأزمات لتتكسب منها؟ هذا التساؤل الملح يفرض نفسه بقوة حين نراقب المشهد العالمي اليوم من منطقتنا العربية. ففي الوقت الذي تحبس فيه العديد من دول العالم أنفاسها قلقاً من نقص إمدادات الطاقة، وارتفاع الأسعار، وتصاعد مخاطر خطوط الملاحة وحركة النقل، نجد أن الولايات المتحدة تسجل بهدوء واحدة من أضخم القفزات التصديرية في تاريخها، حيث زادت صادراتها النفطية بواقع 2.5 مليون برميل. إنها مفارقة تستحق التأمل؛ فبينما يكتوي العالم بنار الأزمات، تجني واشنطن ثمارها.
تشير أحدث بيانات السوق والتقارير الدولية إلى أن إجمالي الصادرات الأمريكية قفز في الأسابيع الأخيرة ليلامس حاجز الـ 12.9 مليون برميل يومياً، في رقم قياسي تاريخي غير مسبوق يشمل النفط الخام ومختلف المشتقات. وإذا أردنا تفكيك هذا الرقم لندرك حجم الآلة الأمريكية، سنجد أن صادرات النفط الخام تتراوح بين 5.4 إلى 5.5 مليون برميل يومياً، بينما تتراوح صادرات المشتقات النفطية بين 7.3 إلى 7.5 مليون برميل يومياً، وتتنوع لتشمل البنزين، والديزل، ووقود الطائرات، والغاز البترولي المسال، والبتروكيماويات. وفي المقابل، تستورد واشنطن ما بين 6 إلى 6.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام، تستجلبها أساساً من جيرانها في كندا والمكسيك، ومن البرازيل وبعض الخامات الثقيلة من أمريكا اللاتينية.
السر وراء هذه المعادلة، يا سادة، يكمن في البنية التحتية. فالكثير من المصافي الأمريكية صُممت قديماً للتعامل مع النفط الثقيل، في حين أن الطفرة الإنتاجية الأمريكية تعتمد بالأساس على النفط الصخري الخفيف. وهنا تتجلى العقلية البراغماتية؛ فالولايات المتحدة لا تكتفي بكونها بائعاً تقليدياً، بل تعمل وفق نموذج اقتصادي شديد الذكاء. إنها تصدر نفطها الخفيف بأسعار السوق، وتستورد النفط الثقيل الأرخص لتكريره في مصافيها، ثم تعيد تصدير مشتقاته المكررة بأسعار مضاعفة. إنها باختصار لم تعد مجرد بئر نفط، بل تحولت إلى ماكينة جبارة لطباعة الأموال من قطاع الطاقة.
هذا المشهد يبعث برسالة قاسية إلى دولنا النفطية التقليدية في الشرق الأوسط. ففي سوق الطاقة الجديد، لم يعد مجرد امتلاك الاحتياطيات الضخمة في باطن الأرض كافياً لضمان السيادة. اللعبة اليوم تعتمد على امتلاك البنية التحتية للتصدير، وأساطيل النقل الجبارة، والمصافي المتطورة، وشبكات الربط المالي والمصرفي، ناهيك عن الاستقرار السياسي والقدرة على اقتناص الحصص السوقية. القاعدة الذهبية اليوم تقول إن أي برميل تعجز دولة ما عن تصديره بسبب أزمة أو عقوبة، لا يختفي من السوق، بل يسارع لاعب آخر لالتقاطه وملء الفراغ فوراً.
الخلاصة التي يجب أن نعيها جيداً هي أن الولايات المتحدة يحكمها اليوم سماسرة يتلاعبون بالسياسة لرفد حساباتهم وخزائنهم.
