الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا دفعت الكويت فاتورة الصدام الأمريكي الإيراني؟.. بقلم حسام النجار

لماذا دفعت الكويت فاتورة الصدام الأمريكي الإيراني؟.. بقلم حسام النجار

سودان تمورو

في خضم الجنون العسكري الذي ضرب المنطقة إثر تدشين الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير، كانت المفارقة الصارخة تتجلى في سماء الخليج. فبينما كانت طهران ترد بوابل من الصواريخ والمسيّرات، وجدت الكويت نفسها فجأة في عين العاصفة، لتصبح ثاني أكثر دولة خليجية بعد الإمارات تضرراً من هذا التصعيد. لغة الأرقام هنا مرعبة؛ فبحلول الثالث والعشرين من مارس، كانت طهران قد أمطرت الأراضي الكويتية بنحو 1061 طائرة مسيّرة وصاروخاً، مستهدفة منشآت عسكرية أمريكية وبنية تحتية كويتية، شملت المطار الرئيسي ومرافق الطاقة ومحطات تحلية المياه. هذا المشهد المشتعل وضعنا كعرب ومراقبين أمام تساؤل جوهري: لماذا انصب هذا الغضب الإيراني على الكويت، رغم أن العقد الأخير شهد استقراراً لافتاً في العلاقات بين البلدين؟

للإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من النظر في مرآة الجغرافيا والديموغرافيا معاً، فقَدَرُ الكويت الجغرافي جعلها الخاصرة الرخوة ونقطة الارتكاز الاستراتيجية الأهم في معادلة الخليج. تستضيف الكويت نحو 13 ألف جندي أمريكي، وقواعد عسكرية تُعد الشريان الحيوي لأي عمليات جوية أو بحرية أو برية أمريكية ضد طهران. من هنا، تبنت القيادة العسكرية الإيرانية عقيدة هجومية تعتبر أي جغرافيا تستضيف قوات معادية “جبهة أمامية” وهدفاً مشروعاً، حتى وإن لم تكن الدولة المضيفة شريكاً مباشراً في الهجوم. طهران أرادت عبر هذه النيران الكثيفة أن تمارس معادلة استراتيجية خشنة، لإجبار صانع القرار الكويتي على طرد القوات الأمريكية أو، في أضعف الإيمان، تقييد استخدام واشنطن لمجالها الجوي وقواعدها.

غير أن البعد العسكري ليس سوى قمة جبل الجليد، فهناك هاجس داخلي عميق يدركه كل من يقرأ الخريطة المجتمعية الكويتية. فالكويت تضم مكوناً شيعياً يمثل نحو 30% من السكان. السلطات الكويتية اليوم تستحضر كوابيس حقبة الحرب العراقية الإيرانية، وتتوجس من تحرك خلايا تدور في فلك طهران أو حزب الله اللبناني. وما الإعلانات الكويتية المتتالية في أواخر مارس عن إحباط مخططات مرتبطة بحزب الله، تستهدف قيادات الدولة والبنية التحتية الحيوية، واعتقال مواطنين كويتيين وخلايا إيرانية ولبنانية، إلا مسرحية بأن إيران مستعدة لنقل المعركة من السماء إلى شوارع العاصمة.

ولا يمكننا قراءة الموقف الكويتي الحالي دون الرجوع إلى الذاكرة الوطنية المثقلة بصدمة الغزو العراقي عام 1990. فالولايات المتحدة التي لعبت دور “المُخلص” في عام 1991، هي ذاتها التي تستخدم الأراضي الكويتية اليوم كمنصة لضرب دولة جارة، مما حول الكويت إلى درع بشري وجيوسياسي يتلقى الضربات الإيرانية.

أمام هذه المعضلة الاستراتيجية القاسية، تجد القيادة الكويتية نفسها مقيدة بخيارات أحلاها مر. فعلى الرغم من أن المظلة الأمنية الأمريكية هي التي تجتذب النيران الإيرانية اليوم، إلا أن الكويت ستبقى مرغمة على التمسك بهذه المظلة، ليس حباً فيها أو ثقة مطلقة في نوايا واشنطن، بل لأن واشنطن لن تقبل بالخروج. في الوقت ذاته، فإن هذا الزلزال سيجبر صانع القرار الكويتي على محاولة هندسة شبكات أمان إقليمية بديلة، في محاولة يائسة لتخفيف الارتهان الكلي لواشنطن. الكويت اليوم لا تزال تحفظ الجميل لأمريكا التحرير، لكنها تدفع فاتورة باهظة لأمريكا التصعيد، وهو ما يفرض عليها إعادة صياغة عقيدتها الأمنية في شرق أوسط لم يعد يعترف بأنصاف الحلول.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات