الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبوصلة العالم تتجه شرقاً!.. بقلم حسن الشريف

بوصلة العالم تتجه شرقاً!.. بقلم حسن الشريف

سودان تمورو

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتغير فيه قواعد اللعبة، لم يكن اللقاء الأخير الذي جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل كان رسالة استراتيجية عميقة الدلالة. فتلك التسعين دقيقة التي استغرقها اللقاء، والتي وُصفت بالبناءة للغاية، لم تقتصر على مناقشة العلاقات الثنائية أو التوترات الإقليمية والعدوان الأمريكي والإسرائيلي فحسب، بل أسست لمرحلة جديدة تعتمد على الندية والشراكة الحقيقية. وما يلفت انتباه أي مراقب محايد في منطقتنا العربية، هو ذلك المستوى اللافت من الاحترام والتقدير الذي أظهره سيد الكرملين تجاه الشعب الإيراني وقيادته، مشيداً بصمودهم أمام الهيمنة الأمريكية وما وصفه بالانتصار في حرب غير متكافئة.

هذا المشهد يضعنا أمام مفارقة صارخة تستوجب التوقف والتأمل، خاصة في ظل تعالي أصوات بعض “أدعياء التحليل” والمثقفين الذين لطالما صدعوا رؤوسنا بأسطوانة مشروخة تدعي أن موسكو ستبيع طهران في أول منعطف أو صفقة. إن حجم الاحترام والأدب الدبلوماسي الذي تبديه روسيا، وتحديداً الرئيس بوتين، تجاه الدول المناهضة للهيمنة، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل رأينا يوماً من الغرب احتراماً مماثلاً، ولو على سبيل المجاملة اللفظية والنفاق الدبلوماسي؟ الإجابة بكل تأكيد هي لا. فالغرب، بطبيعته الاستعمارية المتأصلة وتركيبته الاستعلائية، يفتقر إلى أبجديات هذا الاحترام المتبادل، إذ تمنعه جيناته السياسية المغرورة من تقبل حقيقة أن العالم قد تغير، وأن عجلة التاريخ قد دارت نحو الشرق، معلنةً إغلاق أبواب “الحديقة الأوروبية” التي طالما نظرت إلى بقية العالم كغابة خلفية.

إن هذا التقدير الاستراتيجي المتبادل ليس مجرد بروتوكول، بل هو حجر الزاوية الذي تُبنى عليه التحالفات المتينة. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة لدولنا ماسة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لاستثمار فرص التعاون مع روسيا والقوى الشرقية الصاعدة. فالممرات التجارية الحيوية التي ربطت الشرق بالغرب منذ العصور القديمة، والتي كانت يوماً ما تحت سيطرة قوى المنطقة الفاعلة، يجب أن تعود لتلعب دورها التاريخي بعيداً عن الوصاية الغربية. إن أي تعاون دولي حقيقي ومثمر لا يمكن أن يُكتب له النجاح ما لم يبدأ من نقطة الاحترام والأدب المتبادلين، وهو الدرس الذي يبدو أن الشرق قد أتقنه، في حين لا يزال الغرب غارقاً في أوهام تفوقه الزائف.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات