سودان تمورو
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة قبل ستة أشهر ونصف الشهر تقريباً، والخروقات الإسرائيلية لهذا الاتفاق الذي تم برعاية أميركية لم تتوقّف،بل تزداد كمّاً ونوعاً مع مضي الوقت، ويرتفع معها عدّاد الشهداء والمصابين من المدنيين الفلسطينيين بشكل لافت، حيث بلغ عدد الذين سقطوا شهداء في قطاع غزة منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي أكثر من ثمانمئة وثلاثين شهيداً، إلى جانب مئات الجرحى والمصابين، ناهيك باستمرار عمليات النسف والتدمير لما تبقّى من منازل ومنشآت قرب ما يُعرف بالخط الأصفر، والذي تحرّكت حدوده باتجاه الغرب أكثر من مرّة،ليبتلع مساحات جديدة من أراضي القطاع الذي تقلّص بمقدار النصف تقريباً، وهو يحوي بين جنباته أكثر من مليونين وربع مليون إنسان، يعيش أغلبهم في ظروف إنسانية قاهرة وبالغة الصعوبة.
حسب إحصاءات رسمية فقد بلغ عدد الخروقات الإسرائيلية لاتفاق التهدئة أكثر من ألفين وخمسمئة خرق، تنوّعت بين القتل بمختلف أنواع الأسلحة، مروراً بالحصار الذي لم تتراجع شدّته رغم الادعاءات الإسرائيلية الكاذبة، وصولاً إلى تعطيل عمل اللجنة الحكومية المعيّنة من قِبل مجلس السلام العالمي، والذي كما يبدو فقد القدرة على الفعل أو التأثير، وتحوّل إلى شاهد زور رفقة الوسطاء والضامنين الآخرين، والذين فشلوا حتى الآن في إلزام الكيان الصهيوني بالوفاء ولو بجزء ضئيل مما يقع عليه من التزامات.
أمام هذه الخروقات الإسرائيلية التي لا تتوقّف، يأتي موقف فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والتي تحاول كما يبدو الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار لأطول فترة ممكنة، وعدم السماح بانهياره بشكل كامل، أو العودة إلى مسار الحرب الشاملة التي كانت سائدة قبيل التوصّل إلى الاتفاق، وهو الأمر الذي قدّمت من أجله تنازلات اعتبرها البعض بأنها مبالغ فيها، فيما كانت المقاومة ترى أن كل التنازلات تبقى مقبولة ما دامت تؤدي إلى وقف حرب الإبادة والتهجير ضد أهالي القطاع، الذين عانوا الأمرّين طوال شهور الحرب الطويلة، في ظل خذلان وتجاهل غير مسبوقين من معظم دول العالم، وفي المقدّمة منها الدول العربية قريبها وبعيدها.
خلال الأسابيع الأخيرة، عُقدت لقاءات بين فصائل المقاومة في أكثر من مكان، كان أهمّها في العاصمة المصرية القاهرة، والتي جرت فيها أيضاً لقاءات مع “نيكولاي ميلادينوف”، الذي تحوّل حسب وصف الكثيرين إلى ساعي بريد لنقل رسائل التهديد من الاحتلال إلى المقاومة، وتخلّى عن مهمته الأساسية التي تفرض عليه لعب دور أكبر من أجل إلزام الاحتلال بوقف عدوانه، وتسهيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق التي ينتظرها أهالي القطاع بفارغ الصبر.
بعيداً عمّا جرى في تلك اللقاءات أو ما نتج عنها، فإن هناك رغبة واضحة لدى المقاومة حتّى الآن على أقل تقدير في الاستمرار بالالتزام بما نصّ عليه اتفاق التهدئة رغم مئات الخروقات الإسرائيلية، وفي مواصلة الوفاء بما تعهّدت به أمام الوسطاء والضامنين، وهو الأمر الذي يبدو جليّاً في عدم قيامها بأي رد فعل تجاه ما يقوم به الاحتلال من اعتداءات، واقتصار ردّها على تجديد الدعوة للجهات الضامنة بضرورة لجم تغوّل العدو وعدوانه، والضغط عليه بشكل أكثر فاعلية للتوقّف عن ارتكاب المزيد من الجرائم والاعتداءات.
بالنسبة إلى البعض قد يبدو هذا الموقف نتاج ضعف تعاني منه المقاومة، وعدم امتلاكها القدرة على الرد على اعتداءات الاحتلال، خصوصاً بعد ما تعرّضت له من خسائر كبيرة أبّان الحرب، وهو ما جعلها تنكفئ إلى الخلف، وتكتفي بمناشدات وإدانات، من دون أي رد فعل حقيقي.
البعض الآخر لديه وجهة نظر أخرى، وهي تشير إلى رغبة المقاومة في سحب الذرائع التي يبحث عنها الاحتلال للعودة إلى حرب الإبادة، لا سيّما في ظل الظروف الإقليمية بالغة التعقيد، والتي تحتاج إلى حسابات خاصة بعيداً عن ردود الفعل العصبية والعشوائية.
يمكن لنا ونحن نراقب تطورات الأوضاع عن قرب، أن نشير إلى ثلاثة أسباب أساسية نرى أنها تقف خلف قرار المقاومة الفلسطينية الحفاظ على الوضع القائم بغض النظر عما قد ينتج عنه من خسائر، وهي أسباب تبدو من وجهة نظر الكثيرين وجيهة وصحيحة، وقد تترتّب عليها في قادم الأيام نتائج تصبّ في صالح الرغبة الفلسطينية في وقف العدوان ورفع الحصار، وحرمان العدو الصهيوني من ذرائع ومبرّرات يبحث عنها بكل الطرق والوسائل.
أولى هذه الأسباب كما نعتقد هو سعي المقاومة إلى استعادة جزء كبير من عافيتها التي تضرّرت نتيجة طول فترة الحرب، إضافة إلى القوة الهائلة التي استخدمها “جيش” الاحتلال فيها، وهو الأمر الذي نتج عنه خسائر كبيرة في صفوف الفصائل الفلسطينية سواء على مستوى العديد أو العتاد.
بالنسبة إلى البعض قد تبدو هذه الخسائر كبيرة ولا يمكن تعويضها خلال المرحلة الحالية حتى لو طال أجلها، لا سيّما أن قطاع غزة يعاني من حصار مطبق براً وبحراً وجواً، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدخل إليه أي إمدادات عسكرية أو قتالية تُذكر، وهذا الأمر يمكن تفهّمه في ظل الإطباق الكامل لـ”جيش” الاحتلال على مخارج ومداخل القطاع، خصوصاً معبر رفح البري، والذي يُعد حلقة الوصل الأهم بين غزة والخارج، غير أن التجربة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في هذا المجال خلال السنوات التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في عام 2005، أو في السنوات اللاحقة التي فرضت فيها الجارة الجنوبية للقطاع حصاراً مشدّداً على حدوده البريّة، وقيامها بهدم وتدمير الأنفاق التي استخدمت في معظمها لأغراض تجارية، فيما استفادت المقاومة من الجزء الآخر، يجعل من إمكانية تكيّف المقاومة في غزة مع هذا الواقع والتغلّب عليه ولو نسبياً أمراً ممكناً ومُتاحاً، وهو الأمر الذي سبق أن قامت به خلال مراحل متعدّدة، وتكرّر أيضاً في مدن الضفة الغربية المحتلة خلال السنوات الخمس الأخيرة على وجه الخصوص.
وبالتالي، وفي ظل إيمان المقاومة في غزة بقدرتها على تجاوز الحصار الإسرائيلي، واستعادة جزء من عافيتها القتالية، وقدراتها التسليحية، فهي بحاجة إلى استمرار وقف إطلاق النار لأطول فترة ممكنة، حتى لو كانت هذه الفترة مليئة بالتحدّيات، وحبلى بالخسائر والتضحيات.
وكما أن المقاومة بحاجة إلى بعض الوقت لاستعادة عافيتها وتنظيم صفوفها، فإن السكّان في القطاع المنكوب أيضاً بحاجة إلى مثل هذا الوقت لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، والتي يحاول الاحتلال حرمانهم منها من خلال خروقاته المتعدّدة والمستمرة.
هذا الأمر هو السبب الثاني الذي يجعل المقاومة تتروّى في اتخاذ قرارات قد تعجّل من عودة الحرب إلى سابق عهدها، وهو أمر لا يتمنّاه كل أهالي القطاع نظراً لتداعياته المأساوية التي عاشوا فصولها الكارثية خلال شهور العدوان الطويلة.
في غزة يأتي تأمين الحد الأدنى من مقوّمات الحياة للمواطنين العزل على رأس أولويات فصائل المقاومة الفلسطينية، وهي تسعى جاهدة برغم الواقع المعقّد وبكل ما أوتيت من قوة لتجنيبهم عدوان الاحتلال، وعدم توفير أي ذريعة صغيرة كانت أو كبيرة من أجل العودة إلى ممارسة هوايته في القتل والتدمير، وهو الأمر الذي يبدو أنه يرغب فيه بشدّة، لا سيّما بعد فشله في حسم حروبه العابرة للحدود في إيران ولبنان، وسقوط معظم أهدافه التي كان يعتقد أنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيقها.
وبناء عليه، تسعى المقاومة من خلال تمسكها بوقف إطلاق النار، وتحمّلها الخروقات الإسرائيلية المتواصلة إلى منح سكّان القطاع أطول فترة ممكنة من الهدوء، وإلى تمكينهم من التمترس في أرضهم رغم حملات التخويف والابتزاز التي يحاول الاحتلال من خلالها دفعهم نحو الهجرة إلى المجهول.
أما ثالث الأسباب فهو مرتبط باعتقاد المقاومة في غزة أن هناك مؤشرات إيجابية تلوح في الأفق في ما يتعلّق بانخفاض وتيرة الخروقات الإسرائيلية، والذهاب نحو حالة من الاستقرار الميداني والسياسي، خصوصاً في ظل رغبة بعض الدول الإقليمية في رؤية نهاية لهذا العدوان الدامي، والذي يمكن أن تصل تداعياته في حال استمراره إلى جغرافيا أوسع من المنطقة والعالم.
صحيح أن التطوّرات حتى وقتنا الحالي لا تبشّر بخير، وصحيح أن الاحتلال يرفع من منسوب عدوانه بشكل لافت وملحوظ، وهو أمر يعدّه كثير من المراقبين طبيعياً لتعويض فشله وإخفاقه في الساحات الأخرى، إلا أن المواقف التي سمعتها المقاومة من أطراف منخرطة في المفاوضات حول انفراجة قريبة تجعلها تميل إلى الاستمرار في نهجها الحالي في ضبط النفس، وتفويت الفرصة على العدو من أجل تفجير المشهد في القطاع والعودة إلى مربع القتل والتخريب من جديد.
قد يبدو الركون إلى مثل هذا الخيار محفوفاً بمروحة واسعة من المخاطر، خصوصاً أن المقاومة قد سمعت كثيراً من هذه الوعود خلال الأشهر الماضية، وفي ظل عدم امتلاك الوسطاء أي وسيلة ضغط على “دولة” الاحتلال، إلا أنه في الوقت نفسه وأمام الخلل الواضح في القدرات والإمكانيات، ورغبة العدو في حسم المعركة مع المقاومة في قطاع غزة، فإنه يمكن تفهّم لجوء المقاومة إلى هذا الخيار، خصوصاً إذا ما عرفنا أن إمكانية حدوث تغيير دراماتيكي على مستوى المنطقة يصب في صالح قطاع غزة يبقى أمراً وارداً، وهو ما تراهن عليه المقاومة في غزة كإحدى أوراقها الرابحة.
على كل حال، يبدو الاعتقاد السائد لدى البعض بأن تداعيات معركة “طوفان الأقصى” قد تنحصر قريباً اعتقاداً ساذجاً، لا سيّما أن هذا الطوفان الذي أصبح عابراً للحدود قد كشف عن هشاشة هذه “الدولة” المارقة التي شارفت على السقوط في صباح السابع من تشرين الأول/ أكتوبر المجيد، والذي اضطرّت فيه للاستعانة بكل دول محور الشر في العالم لحمايتها والدفاع عنها كما هي الحال في مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران، والمقاومة الإسلامية البطلة في لبنان.
غير أن كل الدلائل والمعطيات تشير إلى أن النتائج الحقيقية لمعركة الطوفان لم تظهر بعد، وهي نتائج قد تؤدي إلى تحولات وتغيّرات جيوسياسية حاسمة، خصوصاً في حال اشتعلت الحرب الصهيو-أميركية الظالمة على إيران من جديد، والتي يمكن أن تشهد حسب الكثير من المحللين الاستراتيجيين هزيمة غير مسبوقة لمحور الشر المجرم، قد تؤدي في بعض نتائجها إلى انحسار كامل المشروع الاستعماري في المنطقة، وإلى انفراط عقده وتفكّك بنيانه كما لم يحدث من قبل.
كاتب في الشأن السياسي والعسكري.
