الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيجغرافيا الوهم وصراع الهويات البديلة!.. بقلم يوسف سليم

جغرافيا الوهم وصراع الهويات البديلة!.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

من نافلة القول إن الحكمة تقتضي توجيه الطاقات نحو معارك الوجود الكبرى، لكن منطقتنا المنكوبة بصراعات الهوية، يبدو أنها اختارت الغرق في “شبر ماء” سياسي. إن المعركة الدائرة حول تسمية الخليج الفارسي ومحاولات الالتفاف عليها ليست مجرد ترف لغوي، بل هي “صناعة أزمة” بامتياز، صُممت بعناية فائقة لصرف الأنظار عن استحقاقات الأمة المصيرية، ولتفتيت ما تبقى من أواصر الجوار التي كان يُفترض أن تكون حائط صد أمام مشاريع التمزيق الخارجي.
إن التاريخ، في جوهره، لا يحابي أحداً، والجغرافيا ليست منصة للاستعراض القومي. وكما يقبل الجميع بتسمية “بحر العرب” أو “بحر عمان” دون حساسية، كان الأجدى ألا يُفتح باب النزاع حول تسمية “الخليج الفارسي”؛ فهذا المصطلح ليس وليد لحظة سياسية عابرة، بل هو حقيقة جيوسياسية ضاربة في عمق الزمن لأكثر من ألفين وخمسمئة عام. لقد كان الجغرافي اليوناني هكاتايوس الميليتي سبّاقاً حين استخدم مصطلح Persikos kolpos منذ عام 500 قبل الميلاد، وتبعه في ذلك جهابذة الجغرافيا القديمة من أمثال “استرابون” و”بطليموس” الذي ثبّت مصطلح Sinus Persicus في خرائطه، لتتحول التسمية إلى وثيقة دولية عابرة للحضارات، من اليونانية والرومانية وصولاً إلى العصور الإسلامية التي لم تجد غضاضة في تبني هذا الاسم.
وحتى بالنظر إلى الوثائق الرسمية للإمبراطوريات القديمة، نجد أن “داريوش” أشار بوضوح في نقوش قناة السويس التاريخية إلى البحر الذي يبدأ من بلاد فارس. هذا التراكم المعرفي لم يكن يوماً محل شك، بل إن الواقع الجغرافي القريب يعزز هذا المنطق؛ فإيران كانت حتى سبعينيات القرن الماضي تمارس سيادة جغرافية على البحرين تجعل وجودها على ضفتي الخليج واقعاً ملموساً، مما جعل التسمية قدراً جغرافياً وتاريخياً لا فرار منه، بعيداً عن أي نزعات استعلائية.
بيد أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في الخرائط، بل في “المختبرات السياسية” الغربية التي تتقن اللعب على أوتار القوميات المتصادمة. إن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تدرك أن استحضار “فوبيا التسمية” هو أقصر طريق لإدامة سياسة “فرق تسد”. وبينما يغرق العرب والفرس في سجالات بيزنطية حول اسم مسطح مائي، تُستباح ثروات المنطقة وتُصادر قراراتها السيادية. ولعل المقارنة الساخرة التي تسوقها بعض الدوائر حول عقلية “تأميم الجغرافيا” تذكرنا بمحاولات دونالد ترامب العبثية للعبث بالأسماء الجغرافية وفق هوى شخصي ولنا في خليج”المكسيك” خير دليل، وهي عقلية لا ترى في التاريخ إلا صلصالاً يُشكل لخدمة الأجندات الضيقة.
إن النداء اليوم موجه لصناع القرار في المنطقة بضرورة الكف عن الانجرار خلف هذه “المعارك الانصرافية”. فالأمة الإسلامية بضفتيها العربية والفارسية تئن تحت وطأة تحديات وجودية تتجاوز الأسماء؛ من فقر واستبداد واحتلال وتمزق اجتماعي. إن الانشغال بتغيير اسم تاريخي موثق هو في الحقيقة هروب من مواجهة الواقع المر، ومنح صك غفران مجاني لكل من يريد إبقاء هذه المنطقة في دوامة الصراعات الصفرية.
إن الخليج الفارسي حقيقة تاريخية كما هو بحر العرب، والاعتراف بالحقائق لا ينتقص من قدر أحد، بل هو دليل على الثقة بالذات. إن العزة الحقيقية لا تُستجدى من تبديل الأسماء على الخرائط، بل تُبنى بالعلم، والعدل، والتحرر من التبعية. وحين تدرك شعوب المنطقة هذه الحقيقة، ستكتشف أن المعركة لم تكن يوماً على “اسم” الخليج، بل كانت معركة على “وعي” الأمة بمستقبلها المشترك.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات