الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف ابتلع مستنقع الجنوب اللبناني كبرياء الجيش الإحتلال؟.. بقلم يوسف سليم

كيف ابتلع مستنقع الجنوب اللبناني كبرياء الجيش الإحتلال؟.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

لم يعد بإمكان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إخفاء حالة الإحباط العميق التي تخيم على أروقتها إزاء المآلات التي انتهت إليها المواجهة في لبنان. فالحملة العسكرية التي سُوّقت للداخل الإسرائيلي على أنها ضربة استراتيجية قاضية تهدف إلى تركيع حزب الله، ارتدت بشكل دراماتيكي لتصبح عبئاً استراتيجياً يستنزف إسرائيل ذاتها. اليوم، يهمس كبار الضباط في جيش الاحتلال بحقيقة مُرة، مفادها أن الوضع الميداني بات أسوأ بكثير مما كان عليه قبل اندلاع شرارة هذه الحرب. ففي الأمس القريب، كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تتمتع بهامش واسع للمناورة، تقصف وتغتال متى شاءت في الجنوب اللبناني دون رد يذكر. أما اليوم، فقد انقلبت الآية تماماً، ليجد حزب الله نفسه طليق اليدين في إدارة دفة الميدان، بينما يقف الجيش الإسرائيلي مكبلاً بضغوط القيادة السياسية وبتبعات وقف إطلاق النار الذي فرضته إدارة ترامب، في مشهد يصفه القادة العسكريون بأنه بات “غير محتمل”.

ورغم هذه القيود والتعقيدات، تحاول القيادة العسكرية الإسرائيلية تصدير صورة الصمود والسيطرة؛ إذ صرح رئيس الأركان، إيال زامير، خلال تفقده للفرقة 36 في بلدة الطيبة الجنوبية، بأن قواته نفذت مهمتها ولن تنسحب حتى يتم ضمان أمن الشمال على المدى الطويل. لكن هذه التصريحات الرنانة تصطدم بواقع ميداني دموي يفرض قواعده منذ أوائل مارس الماضي. لقد تحولت المعركة التي بدأت كجبهة إسناد إقليمية، إلى مواجهة مصيرية تعيد إلى الأذهان كوابيس إسرائيل التاريخية في وحل الجنوب. ولعل التطور الأبرز والأكثر فتكاً في الأسابيع الأخيرة هو لجوء حزب الله إلى استخدام طائرات مسيرة متطورة يتم التحكم بها عبر الألياف الضوئية، والتي باتت تشكل التهديد الأكبر والأعقد للقوات الإسرائيلية. هذه المسيرات، التي أوقعت قتلى وعشرات الجرحى في صفوف الجنود خلال أسبوع واحد فقط، وقفت أمامها المنظومات الدفاعية عاجزة، مما دفع الجيش للعودة إلى أساليب دفاعية بدائية، كتركيب حواجز حديدية فوق الدبابات وأماكن التمركز، في محاولة يائسة لحماية جنود تحولوا إلى أهداف ثابتة ومكشوفة في ظل تآكل قوة الردع الإسرائيلية.

ولا تقتصر فاتورة هذه الحرب على الخسائر العسكرية المباشرة، بل تمتد لتضرب عمق الجبهة الداخلية، حيث نجح حزب الله في فرض حرب استنزاف قاسية على مستوطني الشمال الإسرائيلي. هناك، باتت الحياة اليومية رهينة لصافرات الإنذار التي تدوي على مدار الساعة تحذيراً من الصواريخ والمسيرات. ومع أن المنظومات الاعتراضية تتعامل مع جزء من هذه التهديدات، إلا أن الشعور بالأمان تبدد تماماً، وانهارت الحياة الطبيعية، في مفارقة صارخة تجعل سكان الشمال يعيشون واقعاً منعزلاً ومأزوماً مقارنة بباقي المناطق. إن القراءة المتأنية لهذا المشهد تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الجبهة الشمالية تشهد تحولاً خطيراً يعاكس الطموحات الإسرائيلية. هذا التدهور ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج غطرسة القيادة السياسية، والجمود الفكري في المستويات العليا، وتراكم الفشل التكتيكي والاستراتيجي في الميدان. ورغم توجيهات بنيامين نتنياهو الأخيرة للجيش بضرورة حسم التهديد، إلا أن الواقع يثبت أن الشعارات الفارغة لن تغير المعادلات المعقدة، وما لم تستوعب إسرائيل هذه الإخفاقات العميقة وتتقهقر، فإن جنوب لبنان سيعود مجدداً، وبقوة، ليكون المستنقع الذي يغرق فيه جنودها وتتبدد فيه أسطورتها العسكرية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات