الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيسموم الكراهية: صناعتان محلية ومستوردة! زاهي وهبي

سموم الكراهية: صناعتان محلية ومستوردة! زاهي وهبي

سودان تمورو
في ساحة “السوق” اللبنانية العتيقة، كان التجار يتبارون في عرض بضائعهم، وأصواتهم تتعالى لجذب الزبائن. اليوم صار لدينا سوقٌ من نوع آخر. سوقٌ للخطاب الطائفي المقيت، تُعرض فيها بضاعة السمّ “الهوياتي” (من هوية)، ويتنافس “تجار الكراهية” على “بسطات” تدعى منصات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

لقد تحولت شاشات التلفزة ومواقع التواصل من منابر حوار وأخبار وترفيه، إلى ساحات لـ”أولمبياد الصراخ”، حيث يفوز من يزعق بصوت أعلى، ويحرّض أكثر، ويشعل النيران بأقذر الطرق.

لكن هذه السوق اللبنانية لم تعد منعزلة. لقد تحولت إلى فرعٍ مُربح في سلسلة متاجر عالمية للكراهية. إنها السوق نفسها التي يبيع فيها دونالد ترامب وأمثاله شعارات من نوع “أميركا أولا”ً، والتي تروج فيها الأحزاب اليمينية الأوروبية لخوفها من “الآخر” تحت شعارات عنصرية مقيتة.

هنا في لبنان، لا نستورد السم فقط، بل نصنعه ببراعة، ثم نعيد تعبئته بعبوات طائفية مذهبية لنبيعه في ساحتنا المحلية. خطاب “ما بيشبهونا” (أي “أنهم ليسوا مثلنا”، وما يحمله من دلالة فوقية عنصرية) الذي يكرسه بعض الساسة والإعلاميين ومنتحلي صفة مفكرين ومحللين، ليس سوى النسخة اللبنانية المعدلة من تلك الشعارات المقيتة المعولمة، وهو يعمل على نفس المبدأ: خلق “شعب متخيَّل” نقِي، في مواجهة “آخر” غريب ومدنس.

إعلام التحريض
لم تعد وسائل الإعلام اللبنانية، للأسف الشديد، تقتصر على نقل الواقع أو حتى تفسيره. لقد تحولت إلى مختبرات لإنتاج التحريض نفسه. في غرف التحرير المذهبية واستوديوهات القوى الطائفية، يجري تصنيع خطاب مصمم بعناية لينفجر في البيوت اللبنانية مع جلسات العائلة ووجبات الطعام.

إنها طائفية جاهزة للتسخين، تُقدّم في برامج ترفع راية الحوار لكنها تمارس نقيضه عبر التلاعب العاطفي والبلاغة الزائفة. الخطير في الأمر هو أن هذه الوسائل تمنح شرعية لأصحاب الخطاب المقيت. بظهورهم الدائم على الشاشة، وبإعطائهم مساحة للزعيق والتهديد والتخوين، تتحول شخصيات الهامش الطائفي إلى “نجوم برايم تايم”.

الإعلام يكافئ العنف اللفظي بالشهرة، ويمنح التطرف مساحة أوسع من الاعتدال، لأن الأخير – ببساطة – لا يدرّ نسب مشاهدة عالية. ولا ينفي هذا الواقع المُعتم وجود ومضات خافتة هنا وهناك، برامج تُحاول أن تتنفس في مكان ضيق بين جدران الصراخ، لكنها تبقى استثناءات هامشية في سوق تتحكم به قوانين العرض والطلب الطائفي المتماهي مع الأجندات الخارجية.

سماسرة الفكر
وفي قلب هذا المسرح المأساوي، يبرز أولئك الذين يسمون أنفسهم “محللين سياسيين” و”خبراء استراتيجيين”، لكنهم لا يحللون سوى عروق الكراهية في جسد الوطن. إنهم باعة الوهم بالتجزئة، يحولون التعقيد السياسي إلى وصفات طائفية جاهزة. يحملون شهاداتهم كشهادات ميلاد للتحيز، ويستخدمون مصطلحاتهم الأكاديمية كأدوات تشريح لهوية الوطن، يقطّعونها إلى أجزاء طائفية صغيرة.

هؤلاء ليسوا محللين، بل هم “مترجمون رسميون” لأجندات جهاتهم. يحولون التمويل السياسي إلى خطاب، والمصلحة الضيقة إلى نظرية. يقدمون أنفسهم كحراس للمعرفة وهم يزيّفون الوعي ويسممون العقل الجمعي.

إنهم يمارسون “الدعاية الذكية” – تلك التي تلبس ثوب التحليل لتخفي عورات التحيز – يستخدمون الرسوم البيانية كأغطية للكراهية، والإحصائيات كأسلحة لتبرير التمييز، ويؤسسون مراكز الدراسات والأبحاث ليسهل عليهم تبرير مصادر التمويل المشبوه، ويرفعون سقف الخطاب الكريه كسلّم للصعود إلى مناصب سياسية أو وجاهة اجتماعية.

وسائل التواصل/التقاتل
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فهي القصة الأكثر إثارة للاشمئزاز. هذه المنصات التي كان يُفترض أن تكون فضاءً للتواصل والحوار، تحولت في السياق اللبناني إلى ساحات حرب افتراضية تستخدم فيها الطوائف كجيوش مجهولة/معلومة في معركة نخبٍ تتصارع على السلطة والنفوذ.

إنها الآلية نفسها التي يستخدمها الشعبويون في كل مكان: خلق عالم سياسي قائم على التعارض العمودي بين فئتين متجانسيتين متعاديتين تماماً: “نحن” (الشعب الطاهر)، و”هم” (الشعب المتخلف أو الآخر الغريب).

في لبنان، تأخذ هذه المعادلة طابعاً طائفياً مقيتاً، لكن جذرها الفكري هو ذاته. إنها آلية بارعة في انحطاطها: نخب تطلق الشرارات من على الشاشات، وتتحول جماهير طائفية إلى ما يشبه “فرق إطفاء”، لكنها تحمل الوقود بدلاً من الماء لمحاولة إخماد الحريق.

وفيما تستمر حملة الإبادة الإسرائيلية الممنهجة جنوباً، يُصنّع الخطاب الطائفي في أروقة النخب، ثم يُصدّر إلى الشارع عبر الهاشتاغات والتعليقات والمنشورات التي تتحول إلى قنابل موقوتة. الخطر هنا مضاعف: فبينما كان الخطاب الطائفي في الماضي محصوراً في الخطب والهتافات الحماسية داخل الأحياء المغلقة، صار اليوم ينتشر بسرعة الضوء، ويتراكم حتى يتحول إلى انهيار جليدي من الكراهية.

أسطورة النقاء المُتخيَّل
هنا تكمن النقطة الجوهرية في هذا الوباء المحلي/العالمي: إنه منطق “التراتبية الوجودية” الذي تبنيه التيارات اليمينية والشعبوية في كل مكان. فكما يرفع اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا شعار “بلادنا أولاً” ويسعى لـ”استعادة الهوية النقية” المهددة من قبل المهاجرين واللاجئين والأقليات، نرى النسخة اللبنانية من هذا الخطاب تتجلى في تلك النبرة الطائفية التي تضع “الطائفة” أو “المذهب” في قمة هرم القيمة، وتنظر إلى الآخر المختلف باعتباره وجوداً من الدرجة الثانية، أو دخيلاً على النسيج “الأصيل” للمجتمع.

إنه خطاب التفوّق المتخيّل، سواء كان عرقياً في الغرب أو طائفياً في الشرق. إنهم جميعاً يبنون هويتهم على ركام هوية الآخر. يزعمون الدفاع عن “أصالة” مفقودة، و”نقاء” وهمي مَرضي، و”تراث” يتم انتقاؤه بانتقائية لخدمة أجندة الحقد.

في لبنان، يُلبس هذا الخطاب ثوب الدين والإرث الطائفي، لكنه في الجوهر لا يختلف عن خطاب اليمين العنصري الذي يحلم بعودة أميركا البيضاء أو أوروبا البيضاء. كلاهما يستخدم التاريخ كسجن بدلاً من أن يكون جسراً، وكلاهما يحوّل التنوع من نعمة إلى نقمة، ومن واقع غني إلى تهديد وجودي.

اقتصاديات الكراهية
السبب جوهري وبسيط: الكراهية تُباع جيداً. الخوارزميات الرقمية لا تفهم محتوى الخطاب، بل تفهم التفاعل فقط. والخطاب الطائفي والشعبوي ينتج تفاعلاً سريعاً وغزيراً: غضب، تعليقات، مشاركات، إعجابات (سلبية كانت أم إيجابية).

لكن الصورة أعمق من مجرد تفاعل عشوائي؛ فهناك جيوش إلكترونية منظَّمة تحوِّل المنصات من فضاءات للحوار إلى مسارح للحرب النفسية، وتعطّل أي إمكانية لقياس رأي عام حقيقي. في معادلة السوق الرقمية الفاسدة، يساوي التفاعل الربح – بغضّ النظر عن مصدره أو جوهريته.

هكذا، يصبح التطرف الطائفي سلعة رائجة، والنخب المتطرفة “مؤثرين” ناجحين في سوق الانتباه المشتت، تماماً كما يحقق الخطاب الشعبوي العنصري في الغرب أعلى المشاهدات.

الأكثر إثارة للاشمئزاز هو أن بعض هذه المنصات الإعلامية تتحول إلى “سماسرة حروب وأزمات”. فهي لا تنقل الأزمة فحسب، بل تستثمر فيها، وتضخمها، وتصنع منها مأساة مستمرة تدرّ عليها الإعلانات والمشاهدات. في هذه اللعبة القذرة، يكون الخاسر الأكبر هو الوطن نفسه، والنسيج الاجتماعي الهش الذي يتهدد بالتمزق النهائي خدمة لمصالح الأعداء وأهدافهم المعلن منها والمستتر.

الشعبوية الطائفية
هنا يتجلى التشابك الأكثر عمقاً بين المحلي والعالمي. فما يمارس في لبنان تحت غطاء الخطاب الطائفي المذهبي، هو في جوهره شكل من “الشعبوية الدينية”. إنه ذلك النمط الذي “يُقدس السياسة” ويحول الصراع الدنيوي إلى معركة مانوية (ثنائية) بين الخير المطلق والشر المطلق.

الطائفة تتحول إلى “جماعة مقدسة” مهمتها التاريخية محاربة أعدائها، تماماً كما يفعل ترامب الذي يرى نفسه جديراً بالجنة مقابل “خدماته الجليلة” للبشرية، أو كما فعل قبله جورج بوش وإدارته “الربّانية”.

الخطاب اللبناني، بكل ما فيه من تحريض، يعيد إنتاج هذه البنية تحت ستار الخصوصية المحلية. وهو يزدهر في تربة خصبة، ألا وهي عدم بناء دولة حقيقية، وإفساد المؤسسات الرسمية منذ عقود طويلة، مما يخلق فراغاً تملاًه المرجعيات الطائفية والشعبوية. والمأساة أن المجتمع اللبناني يبدو غير محصن تجاه هذا الخطاب الفتنوي، ولم يتعلم من تجارب الماضي الدموية والمريرة.

التنمر والتحقير: لغة البلطجة السياسية
ولعل أبرز القواسم المشتركة بين الشعبوية المستوردة والمُصنّعة محلياً هو اعتمادها أسلوب التنمر والتحقير المباشر، الذي يحوّل السجال العام من صراع أفكار إلى مسرح للإذلال. فكما يمارس ترامب سياسة الألقاب المهينة والتجريح الشخصي – من “كروكيد هيلاري” إلى “جو النعسان” – ويختزل خصومه في كاريكاتيرات لفظية تصلح للسخرية لا للنقاش، تبنت السوق الإعلامية الطائفية اللبنانية القاموس نفسه تحت مسميات محلية.

يتحول “الآخر” المختلف إلى مادة دائمة للتندر والازدراء: يُستهزأ بلهجته ولباسه وقيمه وتاريخه، وتُختلق عنه حكايات تُثبِّت صورته كمتخلّف أو دخيل أو غير “نظيف”. إنها لغة بلطجة سياسية ممنهجة، لا تهدف إلى التفاعل بل إلى تجريد الآخر من إنسانيته أولاً، ومن حقه في شراكة الوطن ثانياً. تماماً كما يستخدم ترامب منصات إعلامية حليفة لترسيخ ثقافة التهكم بوصفها قوة سياسية، تستخدم المنظومة الطائفية في لبنان الاستوديوهات والتطبيقات لترويج خطاب إذلال يسخف مَن لا ينتمي إلى “الفئة النقية”، بتشجيع من نخب تجد في هذا الترهيب اللفظي أقصر الطرق لإحكام القبضة على الجماعة وتثبيت التراتبية المتخيلة.

هذا التنمر ليس عرضاً جانبياً للخطاب، بل صميم صيغته الخطابية؛ فالهدف ليس إقناع الطرف الآخر، بل إذلاله أمام جمهوره ليُؤكَّد التفوق الرمزي ويُمنع أي جسر محتمل للعيش المشترك.

الاختبار الحقيقي
المواجهة الحقيقية تتطلب جراحة دقيقة في اقتصاد هذا الوباء. مقاطعة إعلانية واعية للإعلام الطائفي، وخلق منابر موازية لمحتوى الحوار العقلاني. لكن الأهم هو كشف الآلية: كيف تُصنَّع “الشعبوية الرقمية” عبر جيوش التصويت والتكبير، وكيف يُسرق الخطاب العام بواسطة مزارع التعليقات والحسابات الوهمية.

الحل ليس في خطاب أخلاقي فقط، بل في تفكيك صناعة الكراهية كمشروع إيديولوجي – سياسي – اقتصادي. وهذا يبدأ بإدراك المفكرين الحقيقيين والمثقفين الواعين لهذا الواقع، ويرفضهم أن يكونوا حلقات في هذه السلسلة، وبإعادة الجمهور إلى وعيه كمستهلك له خيار الرفض، وليس كمشاهد سلبي يُبتلع بسهولة.

التحدي اليوم لم يعد محصوراً في مواجهة الخطاب الطائفي نفسه، بل في مواجهة آلية تضخيمه ونشره وفي فهم جذوره العالمية. النضال الحقيقي هو نضال مزدوج: على ساحة الإعلام والمنصات الرقمية، وعلى ساحة الفكر ضد وباء الشعبوية العالمي، والفتن الطائفية المحلية خدمة لمشاريع خارجية.

استعادة الكلمة والذاكرة
السؤال الآن: هل نستمر كجمهور مُستَهلِك في سوق الصراخ والزعيق، أم نتحول إلى نُقّاد واعين لآلياته؟ الكراهية المعولمة لا تقسم لبنان فقط، بل تقسم الإنسانية جمعاء إلى جزر متعادية. لكننا نملك سلاحاً ربما لم يعرفه أسلافنا: القدرة على رؤية الخيط الرابط بين خطاب “أميركا أولاً” و”طائفتي أولاً”، بين شعبوية ترامب وشعبوية سماسرة الطوائف.

هذه الرؤية هي البداية. فكما أن الوباء عالمي، فالمقاومة قد تكون عالمية أيضاً: مقاطعة ثقافية وفكرية لخطاب الكراهية، أياً كان عنوانه وأينما وُجد. لكن المسؤولية لا تقع فقط على النخب؛ فالجمهور الذي يشارك في التعليقات، ويصفق للتنمر، ويتداول منشورات الحقد هو جزء أصيل من هذه الصناعة، وليس مجرد ضحية لها أو مشاهد في الصفوف الخلفية. لن نستعيد وطناً ببناء جدران طائفية، بل بكسر الجدار الرابع الذي يجعلنا مجرد مشاهدين ومشاركين في آنٍ في مسرح تدمير أنفسنا.

وقبل ذلك كله، ربما علينا أن نستعيد الذاكرة. فالتاريخ اللبناني ليس أرشيفاً للحكايات القديمة، بل مختبر حيّ لما تؤول إليه الفتنة حين تنفلت من ضابطيها. حروبنا الأهلية لم تكن مجرد اقتتال بين “طوائف” متمايزة، بل كانت انهياراً شاملاً التهم كل شيء، حيث أكلت النار داخل كل طائفة قدر ما أكلت بين الطوائف.

حروب داخل الحروب، وصراعات على الزعامة تحت القناع الطائفي، وتصفيات لم تسأل الضحية عن مذهبه قبل أن تودي به. من يظن أنه يحتمي اليوم بجدران طائفته من الحريق القادم، ينسى أن النار لا تعرف حدوداً، وأنها حين تشتعل تلتهم الجميع تحت شعاراتهم المقدسة نفسها.

فتنة الكراهية، إن عادت، لن تُبقي طائفةً “نظيفة” وأخرى “مدنسة”، بل ستجرف الجميع إلى ذات الجحيم الذي جرّبناه، وذقنا رماده بما فيه الكفاية.

الحرب والسلام يبدآن بالكلمة؛ فمتى يحين وقت استعادة هذه الكلمة من سوق السّموم الذي يجد دائماً من يموله ومن يبيع فيه ويشتري؟

شاعر لبناني وإعلامي في قناة الميادين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات