سودان تمورو
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة المكتظة بالأزمات، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حافة مغامرة قد تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط، أو تدفع بالعالم نحو صراع مفتوح لا يعلم أحد مداه. الإعلان المفاجئ عن انطلاق عملية عسكرية أمريكية لتأمين وحماية حركة السفن في مضيق هرمز صباح الاثنين، ليس مجرد قرار تكتيكي عابر، بل هو رهان سياسي محفوف بالمخاطر يكشف عن عمق المأزق بين واشنطن وطهران. وفي حين يُغلف ترامب عمليته بغطاء “اللفتة الإنسانية” لإنقاذ سفن دول لا ناقة لها ولا جمل في صراعات المنطقة، فإن هذه الواجهة الدبلوماسية لا تخفي حقيقة أن واشنطن تضع المنطقة بأسرها أمام سيناريوهات بالغة التعقيد والخطورة.
الحسابات الأمريكية في هذا التصعيد ليست عشوائية، بل تنطلق من معادلة يسعى ترامب من خلالها لضرب عصفورين بحجر واحد. فإما أن تبتلع إيران الموقف وتسمح بمرور السفن تحت الحماية الأمريكية، وحينها سيحصد ترامب نصراً دعائياً ومعنوياً كبيراً يلوح به أمام ناخبيه ويذهب به منتشياً لتعزيز أوراقه في جولته إلى الصين. وإما أن تعترض طهران طريق السفن، وهو ما سيعتبره ترامب شرارة مبررة للرد العسكري. وفي هذا السيناريو الثاني، يدرك ترامب تماماً أن أي عملية عسكرية تتجاوز ستين يوماً تتطلب موافقة الكونغرس، لذا فإن استدراج إيران لتكون هي البادئة بالهجوم سيمنحه الغطاء القانوني لتصوير حربه على أنها دفاع مشروع عن النفس وحماية للملاحة الدولية، وليس عدواناً يحتاج إلى تفويض برلماني في ظل الانقسامات الأمريكية الحادة.
على الضفة الأخرى، لم يتأخر الرد الإيراني الذي جاء حاسماً ليغلق الباب أمام أي مساحة للمناورة. فالقيادة العسكرية الإيرانية، وعلى لسان قائد مقر خاتم الأنبياء، أعلنت بوضوح أن أمن مضيق هرمز هو حق حصري للقوات المسلحة الإيرانية، وأن أي محاولة لعبوره دون تنسيق مسبق ستواجه بقوة نيرانية قاسية. هذا الموقف يتجاوز كونه بياناً للردع المعتاد، ليعبر عن قناعة راسخة في طهران بأن التراجع في هذه اللحظة الحرجة يعني تقويضاً لسيادتها واستسلاماً صريحاً للإملاءات الأمريكية، وهو ما لا يمكن أن تقبل به دولة تعتبر هذا الممر المائي رئة لتجارة الطاقة العالمية وورقة ضغطها الإستراتيجية الأهم.
بين الحسابات الأمريكية والمواقف الإيرانية، تبدو المنطقة بأكملها رهينة لاختبار إرادات معقد بين منطق استعراض القوة ومخاطر الانزلاق الشامل. وبحسب قراءة مسار الصراع الإيراني الأمريكي، فإن طهران التي تجيد حياكة السجاد، ستسعى على الأرجح إلى عرقلة المرور الأمريكي بطرق مدروسة تمنع واشنطن من فرض هيمنتها، لكنها في الوقت ذاته لن تمنح ترامب المسوغ المجاني لإشعال حرب شاملة تعفيه من مساءلة الكونغرس. مضيق هرمز اليوم لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى ميدان المراهنة الأخير، لتظل الساعات والأيام القادمة حُبلى بمفاجآت قد تغيّر وجه الأمن العالمي بأسره.
