سودان تمورو
في عالم الجيوسياسة المعقد، لا تقتصر الحروب والصراعات على مساحات اليابسة الممتدة، بل تدور رحاها في كثير من الأحيان حول “قواعد العبور”. فالمسارات البحرية الضيقة والخطوط الملاحية الاستراتيجية ليست مجرد نقاط صماء على الخرائط، بل هي شرايين نابضة تتركز فيها حركة التجارة العالمية، وتدفقات الطاقة، واستعراض القوة العسكرية، فضلاً عن كونها ساحات لتشكيل النظم القانونية الدولية. وعندما تتغير موازين القوى، يتغير بالتبعية المعنى الجيوسياسي لهذه الخوانق الاستراتيجية. ولهذا السبب تحديداً، لا ينبغي لنا أن نقرأ الأزمات المشتعلة في المضايق والقنوات الحيوية بوصفها مجرد خلافات فنية أو قانونية حول مبدأ حرية الملاحة؛ بل هي في جوهرها إرهاصات للحظة تاريخية أعمق، تتآكل فيها أركان نظام قديم، بينما يصارع نظام جديد من أجل التشكل والاعتراف بوجوده.
إن “الخانق الاستراتيجي البحري” يعبر عن مسار مائي ضيق وحيوي تجد حركة التجارة أو أساطيل الجيوش نفسها مجبرة على المرور عبره. ولا تكمن خطورته في ضيق مساحته الجغرافية فحسب، بل في حقيقة أن أي اضطراب فيه قادر على إحداث موجات ارتدادية ترفع أسعار الطاقة، وتقطع سلاسل الإمداد، وتعيد رسم قدرات الدول التفاوضية، بل وتنسف التوازن العسكري بين القوى الكبرى. في هذه البقاع تحديداً، تتحول الجغرافيا الميتة إلى سياسة حية، وتتحول السياسة إلى قوة خشنة. وفي عالمنا المعاصر، تتصدر المشهد عدة خوانق بحرية، أبرزها قناة بنما، وقناة السويس، ومضيق ملقا، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز. غير أن هذه النقاط تتباين بشدة في طبيعتها القانونية والمؤسسية والأمنية.
فقناتا بنما والسويس هما ممران اصطناعيان يقعان بالكامل داخل السيادة الإقليمية لدول محددة، غير أن أهميتهما العالمية أخضعتهما لنظم قانونية خاصة، حيث يحكم قناة السويس، على سبيل المثال، مبدأ حرية المرور للسفن التجارية والحربية في السلم والحرب مع احترام السيادة المصرية. أما مضيقا ملقا وباب المندب فهما مضيقان طبيعيان، ورغم خضوع ملقا لنظام “المرور العابر” الذي يحد من قدرة الدول الساحلية على إيقاف الملاحة، فإن تجربة باب المندب أثبتت واقعياً أن القانون الدولي لا يعمل في فراغ؛ بل يحتاج إلى حد أدنى من النظام السياسي والميداني، وأن وراء كل نظام قانوني فاعل قوة تنفيذية وإجماع سياسي أو تكلفة عسكرية قادرة على فرضه.
وفي قلب هذه التجاذبات، يحتل مضيق هرمز مكانة بالغة الحساسية والتعقيد. فهو ليس قناة اصطناعية تحكمها معاهدات واضحة كالسويس وبنما، وليس ممراً في بيئة مستقرة كملقا. إنه مضيق طبيعي تتقاسمه إيران وسلطنة عُمان، ويُعد الشريان الأعظم لتدفق طاقة الخليج إلى العالم. من الناحية القانونية، لا يمكن اعتباره مجرد “مياه دولية” مفتوحة، إذ يقع مساره الملاحي ضمن المياه الإقليمية للدولتين الساحليتين. وهنا يبرز البعد القانوني الحساس؛ فقد امتنعت إيران عن التصديق النهائي على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، في خطوة تهدف إلى منع استغلال نظام “المرور العابر” كذريعة للتواجد العسكري الأجنبي المهدد لأمنها القومي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التزامها بتدفق السفن التجارية.
لكن الأزمة الحقيقية اليوم لا تكمن في نصوص القانون، بل في واقع القوة. فقد تم التعامل مع مضيق هرمز لعقود طويلة وكأنه حلقة في سلسلة النظام البحري الذي تديره وتهيمن عليه الولايات المتحدة، حيث كان الوجود العسكري الأمريكي هو الضامن العملي والأوحد لهذا النظام. اليوم، نشهد تآكلاً متسارعاً لهذا الاحتكار الأمني الأمريكي؛ فالقدرات الإقليمية المتنامية لطهران، عبر ترسانتها الصاروخية وتكتيكاتها البحرية، تفرض واقعاً جديداً يثبت أن هرمز لم يعد مسرحاً مغلقاً للهيمنة الأمريكية، بل بات فضاءً جيوسياسياً يستحيل إدارته دون الاعتراف الفعلي بالدور السيادي للدول الساحلية وموازين القوى في الإقليم.
إننا نقف اليوم أمام تحول جوهري يتحول فيه مضيق هرمز من ممر بضمانة أمريكية بحتة، إلى ساحة اختبار لنظام بديل وموازنات إقليمية جديدة. هذا النظام البديل لا يعني الفوضى أو إغلاق الممرات، بل يعني الانتقال إلى ترتيبات أكثر وضوحاً تستند إلى سيادة إيران وعُمان وإدارتهما الأمنية والسياسية للمضيق، مع الالتزام التام باستمرار حركة الملاحة التجارية. المشكلة تكمن في أن واشنطن لم تتقبل بعد هذا التآكل في قدرتها على فرض قواعد اللعبة منفردة، وهو ما يفسر بقاء المنطقة على صفيح ساخن. وفي النهاية، يعلمنا التاريخ السياسي أن الأزمات الكبرى لا تجد طريقها إلى الحل إلا عندما تدرك كافة الأطراف، طوعاً أو كرهاً، أن القواعد القديمة قد ماتت، وأن موازين القوى الجديدة قد فرضت نفسها كواقع لا فكاك منه.
