سودان تمورو
في خضم التحولات الجيوسياسية الحساسة التي تعصف بالمنطقة، وعقب انتهاء الهدنة مباشرة، بدا أن هناك مساراً معاكساً للتيار العام الذي سلكته معظم دول الإقليم سعياً لطي صفحة الحرب؛ فقد اختار حكام دولة الإمارات، وتحديداً في العاصمتين السياسية والاقتصادية أبو ظبي ودبي، المضي في طريق مغاير تماماً، متبنين نهجاً تصعيدياً وعدائياً غير مسبوق تجاه جارتهم الإيرانية، وهو ما فتح الأبواب واسعة أمام تساؤلات ملحة حول دوافع هذا التحول ومآلاته، ومهّد الطريق لتطورات خطيرة وضعت البلاد في مرمى الاستهداف المباشر.
وتبدو مسببات هذا الاستهداف -بناءً على فرضية أن مصدره ينطلق من طهران وليس من أي عاصمة أخرى كتلأبيب- جلية لمن يقرأ المشهد الاستراتيجي عن كثب؛ فقد انخرطت أبو ظبي في حملة ضغط و”لوبي” واسعة النطاق لتحريض الولايات المتحدة وإسرائيل على توجيه ضربات عسكرية لإيران، وترافق ذلك مع إجراءات تعسفية ممنهجة طالت الجالية الإيرانية في الإمارات، شملت التضييق عليهم، ومصادرة ممتلكاتهم، وتجميد الأصول والأموال. ولم يتوقف الأمر عند حدود الاقتصاد والسياسة، بل امتد ليشمل تحركات أمنية بالغة الخطورة، تمثلت في تصاعد وتيرة النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي على الأراضي الإماراتية، واستضافة قواعد انطلاق لوجستية وعملياتية أمريكية جديدة في مرحلة ما بعد الهدنة، فضلاً عن السعي للإخلال بمعادلة الطاقة والنفط الإقليمية، وهي كلها عوامل تراكمت لتشكل الدافع الأساسي لهذا الاستهداف.
وأمام هذه التجاوزات المستمرة، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي؛ بل وجهت رسائل تحذير غير مسبوقة في حدتها إلى هذا الفاعل الإقليمي “الصغير بحجمه والواسع في طموحاته”، واتسمت هذه التحذيرات بالوضوح والمكاشفة، حيث نُقل بعضها وجهاً لوجه ودون أي اعتبارات دبلوماسية، لترسم خطوطاً حمراء مفادها أن أي انزلاق نحو صراع جديد لن يمر مرور الكرام، وأن انخراط أبو ظبي ودبي في أي مغامرة غير محسوبة سيكلفهما ضربات قاسية وموجعة، قد تخلف أضراراً هيكلية يصعب جبر مساراتها في اقتصاد يقوم جوهره على الاستقرار والأمن المطلق.
إن توقيت هذا التصعيد يحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ فالمحاولات الرامية لتحدي السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز لم يعد الرد عليها محصوراً في مياه الخليج فحسب، بل باتت اليابسة والعمق الإماراتي جزءاً أصيلاً من “معادلة المضيق” نتيجة المشاركة المباشرة في التحركات المناهضة لطهران. نحن أمام ما يمكن تسميته “حرب ما تحت العتبة”، حيث ردت إيران على التحركات الأمريكية في الممرات المائية بضربات مزدوجة شملت البحر والساحل معاً، في رسالة مفادها أن شاشات الرادار الإيرانية باتت ترصد كل تحرك ينطلق من القواعد المتاخمة، وأن صواريخ التحذير اليوم قد تتحول غداً إلى معادلات قسرية تُعيد صياغة نفوذ القوى في المنطقة بعيداً عن أحلام التوسع والارتهان للحماية الخارجية.
