سودان تمورو
حين يسافر عباس عراقچي إلى بكين قبل أيام من وصول دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية، فإن التوقيت ليس مصادفة بل ضرورة استراتيجية قد تحدد مصير المنطقة برمتها. الرجل يحمل في حقيبته أكثر من ملف المفاوضات النووية أو محاولات إنهاء الحرب مع واشنطن، إنه يحمل مستقبل مضيق هرمز ذاته، ذلك الممر المائي الذي يختصر في عرضه الضيق توازنات القوى العالمية وأمن الطاقة ومصالح بكين الحيوية.
المشهد واضح بقسوة: ترامب لن يذهب إلى الصين للسياحة أو المجاملات الدبلوماسية، بل ليفرض على شي جين بينغ موقفاً صينياً جديداً من إيران، وتحديداً من سلوكها في مضيق هرمز. التحركات الأميركية لصياغة مسودة قرار جديد في مجلس الأمن ضد طهران بشأن المضيق ليست تمريناً دبلوماسياً عابراً، إنها جزء من استراتيجية متكاملة لتطويق إيران وإجبار الصين على الاختيار بين علاقاتها مع طهران ومصالحها الاقتصادية الضخمة مع واشنطن والعالم.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن تصل طهران إلى بكين بلا مبادرة، بلا رؤية جديدة، بلا عرض استراتيجي يقنع الصينيين بأن الشراكة معها ليست عبئاً بل فرصة. الانتظار السلبي حتى يفرغ ترامب من زيارته ويشكل الموقف الصيني وفق أجندته يعني أن إيران ستجد نفسها أمام أمر واقع، أمام صين اتخذت قرارها تحت الضغط الأميركي، وربما أمام عزلة أشد مما تتخيل.
عراقچي مطالب الآن بما هو أكثر من الدبلوماسية التقليدية، مطالب بابتكار صيغة جديدة تطمئن بكين على أمن ممراتها البحرية دون أن تتنازل طهران عن أوراق قوتها، مطالب بتقديم ضمانات حول مستقبل العلاقات الثنائية تجعل من الصين شريكاً استراتيجياً حقيقياً لا مجرد زبون نفطي حذر. الوقت ضيق، والهامش أضيق، وثمن التأخير قد يكون باهظاً لدرجة لا تحتملها طهران في هذه اللحظة.
المعركة الحقيقية على مضيق هرمز لن تدور في مياهه، بل في قاعات بكين، وقد بدأت فعلاً. لكن هذه النظرة الحالمة كانت بمثابة جرس إنذار مرعب لـ”أورنغزيب”، الذي اعتقد أن تذويب الفوارق سيؤدي في النهاية إلى ذوبان الشريعة نفسها في بحر التصوف، مما يسقط هيبة الدولة. باختصار، كان “دارا” يبني جسراً للوصول إلى الحقيقة، بينما كان “أورنغزيب” يبني جداراً لحماية النظام. ولما اشتد المرض على الأب، تحول هذا السجال الفكري إلى حمام دم على السلطة، حُسم في النهاية لصالح دهاء وسيف “أورنغزيب”. انهزم “دارا شكوه”، واُعتقل، ثم أُعدم سنة 1659 م بأمر من أخيه الذي جلس على العرش ولقب نفسه بـ”العالمي”.
صحيح أن “دارا” خسر العرش، لكن قلمه انتصر على النسيان. كتابه “سر أكبر” تخطى أسوار القصور ووصل لأيدي النساخ والمستشرقين، وسافر من الهند إلى أوروبا ليفتح عيون الغرب على الفلسفة الهندية. هذا الأمير الذي طرده أخوه من جنة السياسة، عاد من باب التاريخ الواسع عبر بوابة الترجمة، وفتح طريقاً غير مقصود بين لغة الهند والعرب وعقل أوروبا. في النهاية، القصة ليست مجرد مأساة بين أخوين، بل هي مفترق طرق حقيقي في التاريخ؛ الهند وقفت يومها بين سلطة “الترجمة والاندماج” وسلطة “النظام والحدود”. وقد شهد التاريخ كيف أدى الخيار الثاني، على المدى الطويل، إلى تفكك الإمبراطورية المغولية، وإسدال الستار على سيادة المسلمين في الهند تحت وطأة الاستعمار.
