الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل تذهب طهران إلى بكين وموسكو مستجديةً أم صانعةً للنظام العالمي الجديد؟.....

هل تذهب طهران إلى بكين وموسكو مستجديةً أم صانعةً للنظام العالمي الجديد؟.. بقلم اماني عبدالرحمن

سودان تمورو

في أعقاب الجولات المكوكية الأخيرة للدبلوماسية الإيرانية نحو عاصمتي الثقل الشرقي، موسكو وبكين، تبلور في أروقة التحليل السياسي مساران متباينان لقراءة هندسة العلاقة بين طهران وهذه القوى الكبرى. ورغم اتفاق كلا المسارين على مبدأ براغماتي يتمثل في حتمية صياغة منافع مشتركة واستثمار الثقل الاقتصادي والعسكري الروسي والصيني، إلا أن الهوة تتسع بشدة بينهما عندما يتعلق الأمر بتعريف “وزن” طهران ومكانتها الحقيقية في هذه المعادلة الجيوسياسية المعقدة.

تنطلق المقاربة الأولى من زاوية ترى في إيران لاعباً تنهكه الضغوط، وتضعه في خانة “المحتاج” الذي لا مناص له من إقحام التنين الصيني والدب الروسي كشركاء ضرورة لحسم المعركة المفتوحة مع الغرب. في هذا النسق الفكري، تبدو القدرات الشرقية وكأنها طوق النجاة الحتمي، وبدونها يصبح طريق طهران نحو الانتصار أو حتى الصمود مساراً مبتوراً غير قابل للاكتمال.

لكن على الضفة الأخرى من النهر التحليلي، تبرز مقاربة ثانية تنطلق من نقطة ارتكاز مغايرة تماماً، وترى المشهد بعيون “فائض القوة” لا “عقدة النقص”. تستند هذه الرؤية إلى حقيقة تاريخية وميدانية تقرأ المشهد المعاصر بوضوح؛ فإيران اليوم تقف كالدولة الوحيدة التي تجرأت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على الانخراط في صدام مباشر مع الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي اصطفت فيه أكثر من ثلاثين دولة في تحالفات ومستويات مختلفة ضدها، لم تصمد طهران فحسب، بل مضت نحو استهداف القواعد الأمريكية وتحدي هيبة واشنطن. هذا الفعل الجريء هو ذاته ما افتقرت إليه بكين وموسكو، سواء من حيث الإرادة السياسية، أو الجرأة، أو ربما حتى القدرة على تحمل تبعاته في لحظات المواجهة المباشرة. علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال أن الاستراتيجية الإيرانية هي التي أسهمت بقوة في إجهاض المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط، والذي كلف خزانة واشنطن تريليونات الدولارات على مدار عقدين من الزمن، بل ووصل بها الأمر إلى تقديم الدعم الاستشاري والتسليحي لإنقاذ الروس أنفسهم في مواجهتهم الوجودية مع حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

إن جوهر الخلاف بين هاتين المدرستين يتلخص في سؤال استراتيجي واحد: كيف تنظر إيران إلى نفسها في لحظة توقيع عقود الشراكة الكبرى؟ فإذا جلست طهران على طاولة المفاوضات بعقلية اللاعب المحتاج والمحاصر، فإنها بلا شك ستفاوض من موقع ضعف، وسيكون نصيبها من الكعكة الدولية متناسباً مع هذا الموقف. أما إذا أدركت ذاتها كقوة منتصرة ومحرك أساسي لتغيير النظام العالمي، وكدولة سددت ضربة موجعة لهيكل الهيمنة الغربية، فإن توجهها شرقاً لن يكون من باب الاستجداء أو طلب الحماية، بل سيكون هندسة استراتيجية للمنافع بين قوى مستقلة ومؤثرة تتقاطع مصالحها بندية. في هذا السياق، لا تبدو إيران شريكاً يستعطف الآخرين لمرافقته، بل قوة ضاربة تستند إلى وقائع الميدان، وتجلس بثقة على طاولة الكبار لتنتزع حصتها المستحقة من خريطة النظام العالمي الجديد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات