سودان تمورو
على وقع أزمة طاقة عالمية تخنق الأسواق، ومؤشرات نفطية لا تتوقف عن الصعود، تجد الصناعات والأعمال المرتبطة بصادرات الخليج نفسها تحت ضغط غير مسبوق. وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبدو الهيبة العسكرية للولايات المتحدة وقد أصيبت بصدع عميق منذ اندلاع “حرب رمضان”؛ فالقواعد العسكرية التي كانت تلوح بها واشنطن كعصا غليظة باتت مشلولة أمام أنظار العالم، ومضيق هرمز الاستراتيجي لا يزال مغلقاً، رغم كل العتاد الجوي والبحري الذي حشدته أمريكا في المنطقة، ليبقى الاستعصاء سيد الموقف، وتظل العقدة مستعصية على الحل.
لكن المفارقة الصارخة تتجلى في الخطاب السياسي والعسكري القادم من واشنطن، والذي يتناقض بشدة مع لغة الحشود على الأرض. ففي الوقت الذي ينتظر فيه العالم حلاً حاسماً، يتحدث الرئيس ترامب عن نقل حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” إلى كوبا، بينما يخرج وزير الدفاع الأمريكي بتصريحات دراماتيكية مفادها أن على العالم ألا يعتمد على أمريكا بعد الآن، ملوحاً بالانسحاب من الشرق الأوسط. يتحدث الرجل وكأن أزمة الخليج ستنتهي من تلقاء نفسها خلال أسابيع، وكأن طهران ستتطوع بفتح المضيق رأفةً بالاقتصاد العالمي. أما ما جرى مؤخراً في مضيق هرمز، فلم يكن سوى عرض مسرحي صاخب؛ إذ أُرسلت مدمرتان وكاسحة ألغام في مهمة يعلم القاصي والداني أن هذا العتاد المحدود أعجز من أن يفتح ممراً مائياً بتلك الضخامة والأهمية، لتغدو العمليات العسكرية التي أثارت ضجة في الخليج مجرد مناورات تكتيكية هدفها الإشغال لا الحسم العسكري.
وهنا تبرز تساؤلات ملحة تفرض نفسها على طاولة التحليل: لماذا تتصرف الإدارة الأمريكية، رغم حاجتها الماسة لكسر الإرادة الإيرانية وفتح المضيق، وكأنها لا تملك النية ولا العجلة لخوض حرب حقيقية؟ وإذا كانت النوايا سلمية أو انسحابية، فما المبرر لكل هذه الحشود والأساطيل التي ملأت مياه المنطقة؟ وما الذي يدور حقاً في كواليس هذا التناقض الصارخ بين التصريحات المنسحبة والتحركات الميدانية؟
إن الإجابة قد تكمن في قراءة مغايرة لما حدث بالأمس، حين سُمح للقطع البحرية الأمريكية الثلاث بالدخول إلى مياه الخليج. هذه القطع، وبعد محاولة بائسة للتخفي وسط السفن التجارية في ميناء جبل علي، وجدت نفسها مضطرة للانسحاب من المنطقة الساحلية للاحتماء خلف جزيرة “صير بونعير”. وفي محاولة لحفظ ماء الوجه، لم تجرؤ الإدارة الأمريكية على تأكيد هذا التموضع الحرج، بل صدرت بدلاً من ذلك روايات مختلقة عن عبور ناجح. الواقع الميداني يقول إن هذه الأهداف الثلاثة باتت عالقة في فخ جيواستراتيجي، محاصرة في مرمى النيران بلا طريق آمن للفرار.
يبدو أن الاستراتيجية المتبعة هنا تعتمد على تكتيك عسكري قديم ومدروس: “أن تترك الفريسة تدخل إلى عقر دارك لتجهز عليها، خير من أن تشتبك معها على الباب”. هذه القطع البحرية التي توغلت في أقصى زوايا الخليج، حيث لا مجال للتراجع، قد لا تكون سوى أهداف مؤجلة لتسوية حسابات مفتوحة، لعل أبرزها الثأر لضحايا المدمرة “دنا”. في هذه الرقعة الجغرافية المعقدة، تبدو القوة العظمى وكأنها تمشي معصوبة العينين نحو كمين محكم، لتطرح الأيام القادمة سؤالاً وجودياً حول مستقبل النفوذ الأمريكي في منطقة لم تعد تقبل بالهيمنة المطلقة.
