الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيصفقة أم حرب؟.. لغزٌ لا يملك ترامب نفسه مفاتيحه!.. سامية ابراهيم 

صفقة أم حرب؟.. لغزٌ لا يملك ترامب نفسه مفاتيحه!.. سامية ابراهيم 

سودان تمورو

تتخبط الأوساط الشعبية والسياسية هذه الأيام في دوامة من الأسئلة المصيرية التي لا تجد لها جواباً: هل ستُبرم الصفقة في نهاية المطاف، أم أن علينا أن نستعد لجولة جديدة من الحرب؟ الحقيقة المرة هي أن دونالد ترامب شخصياً لا يملك إجابة قاطعة عن هذا السؤال، ولا يعرف إن كانت وجهة الأمور إلى اتفاق أم إلى تصعيد. في المقام الأول، يجب ألا نقع فريسة للروايات الإعلامية المتداولة حول المفاوضات؛ فما يُنشر في وسائل الإعلام ليس بالضرورة انعكاساً للواقع الذي يدور خلف الأبواب المغلقة.

من منظور المنطق السياسي الجاف، فإن حالة الجمود العسكري، خصوصاً بعد إغلاق مضيق هرمز وفرض الحصار البحري على إيران، لا بد أن تُكسر بشكل من أشكال الاتفاق، حتى لو كان محدوداً ومؤقتاً. لكن ميادين السياسة والحرب لا تسير دائماً على قضبان المنطق. ففشل ترامب في تحقيق أهدافه الكبرى من الحرب لا يعني استعداده لتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، بل على العكس تماماً، قد يدفعه هذا الفشل إلى إبداء المزيد من العناد والتصلب ليتجنب رسم صورة “الخاسر” لنفسه. وفي المقابل، فإن صمود إيران وإفشالها لأهداف الطرف الآخر لا يعني بالضرورة حتمية ترجمة هذا الصمود إلى انتصار سياسي واقتصادي كاسح عبر انتزاع تنازلات كبرى في المفاوضات.

يكمن تفسير هذا التناقض في طبيعة ما يُعرف بـ”الحروب غير المتكافئة”. في هذا النوع من الصراعات، يستطيع الطرف الأضعف أن يحول دون انتصار جيش كلاسيكي جبار، لكنه يواجه تحدياً هائلاً في تحويل مقاومته الميدانية إلى مكتسبات سياسية مستدامة. في المعركة الحالية، ورقة الضغط الأهم التي تملكها إيران هي السيطرة على مضيق هرمز، وفي المقابل، تسعى أمريكا بكل قوتها لتحييد هذه الورقة الجيوسياسية وتحويلها إلى تهديد عبر التلويح المستمر بالخيار العسكري والحصار الاقتصادي الخانق.

ولكي نفهم هذا الوضع بصورة أعمق، يمكننا أن نسقط هذا النموذج على حرب غزة. لقد صمدت حماس لقرابة عامين، ورغم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية للقطاع، لم تتحقق أهداف إسرائيل الكبرى، كاحتلال كامل القطاع أو تدمير البنية العسكرية والسياسية لحماس. ونتيجة لذلك، ظل تهديد غزة قائماً من المنظور الإسرائيلي وإن كان قد أُضعف. لكن في نهاية المطاف، لم تتمكن حماس من ترجمة هذا الصمود الأسطوري إلى نصر سياسي يجبر الطرف الإسرائيلي على الانسحاب الكامل ورفع الحصار وإعادة الإعمار. وفي الأخير، اضطرت تحت وطأة الإبادة الجماعية والمجاعة والأزمة الإنسانية الطاحنة إلى مقايضة ورقة ضغطها الأهم – أي الأسرى – دون الحصول على ضمانات حقيقية لتنفيذ كامل بنود الاتفاق من الطرف الآخر. واليوم، لا تزال غزة تعيش تحت وطأة الدمار الشامل وأزمة إنسانية كبرى مع استمرار الهجمات.

تحاول أمريكا بطرق شتى تجريد إيران من ورقة مضيق هرمز، عبر استهداف الصناعات الحيوية وتصعيد الحصار لاختبار مدى القدرة على الصمود المجتمعي في إيران، وهي تنتظر نتائج هذا الضغط. وفي هذه الأثناء، تأمل طهران أن تجبر التبعات الاقتصادية لإغلاق هذا الشريان الطاقوي العالمي واشنطن على التراجع. لكن دونالد ترامب، عبر إدارته الإعلامية والنفسية للأسواق وإحداث صدمات سعرية خافضة ومؤقتة، نجح حتى الآن في منع انفلات أسعار النفط. وبهذه الاستراتيجية المزدوجة، يسعى في آن واحد إلى إيصال الضغط الاقتصادي على إيران إلى أقصاه، وفي نفس الوقت السيطرة قدر الإمكان على التداعيات العالمية لأزمة مضيق هرمز.

في ظل الظروف الراهنة، يبدو التوصل إلى “اتفاق أولي” يهدف إلى إدارة التوتر وشراء الوقت هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. في هذا التصور، قد تقبل أمريكا باتفاق مبدئي لأسباب تتعلق بأحداث عالمية مثل كأس العالم، بينما قد تقبل به إيران لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى. لكن هذا الاتفاق، إن تم، سيكون مؤقتاً أكثر منه مستداماً. أما سيناريو التوصل إلى “اتفاق شامل ومستدام” ينهي الحرب بشكل قاطع ويرفع العقوبات بالكامل، فيبدو احتمالاً ضعيفاً وبعيد المنال. السيناريو المحتمل الآخر هو استمرار الوضع الاستنزافي الحالي: لا اتفاق ولا حرب شاملة، مع تشديد الحصار واستمرار التوترات.

وبشكل عام، يظل احتمال استئناف الهجمات العسكرية قائماً وجدياً. ولكن هذه الهجمات، إن وقعت، لن تكون بالضرورة طويلة الأمد وواسعة النطاق، بل الأغلب أن تكون قصيرة ومركزة ومكثفة، لتعمل كذراع مكملة للحصار الاقتصادي.

خلاصة القول إن هذا الصراع ممتد، ورغم المسكنات الوقتية التي قد تظهر على شكل هدنة أو اتفاقات أولية، فإنه سيستمر في المدى المنظور.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات