سودان تمورو
في ساحات الوغى وصراع الإرادات بين القوى الكبرى، لا تقتصر ترسانة الأسلحة على الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانقضاضية، بل يبرز “الوقت” كسلاح صامت ولكنه أشد فتكاً ومضاءً من أي عتاد عسكري. واليوم، ونحن نقف على أعتاب اليوم السبعين من هذه الحرب المستعرة، تثبت الوقائع الميدانية والجيوسياسية أن عقارب الساعة تتحرك بوضوح لصالح طهران، لتقلب الطاولة تدريجياً وبثبات لصالح جبهة المقاومة. وفي هذا السياق، يجب ألا تعمينا سحب الدخان الكثيفة والمناوشات التكتيكية الليلية المتبادلة عن قراءة المشهد الاستراتيجي الأوسع والأكثر تعقيداً.
الحقيقة العارية التي تتكشف يوماً بعد يوم هي أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم محاصرة في قلب أزمة ثلاثية الأبعاد، لا تملك لأي منها ترياقاً ناجعاً في المدى المنظور. تتجلى أولى هذه الأبعاد في أزمة طاقة عالمية تزداد قتامة وتعمقاً؛ فنحن نتحدث عن غياب أكثر من مليار برميل من النفط وملايين الأطنان من البتروكيماويات عن الأسواق العالمية، في ظل استنزاف متسارع للمخزونات الاستراتيجية. الأمر هنا يتجاوز مجرد نقص في وقود السيارات، بل يضرب في صميم سلاسل التوريد للصناعات التكنولوجية الفائقة، بدءاً من غاز الهيليوم الحيوي لصناعة الرقائق الإلكترونية، وصولاً إلى الزيوت الصناعية المعقدة؛ وكلها شرايين حياة باتت رهينة لما تفرزه معادلة الخليج. أمام هذا الشلل الذي بدأ يدفع شركات الطيران لإلغاء رحلاتها وصناعات كبرى نحو حافة الإفلاس، أثبتت سياسة “العلاج بالكلام” والتصريحات الرنانة التي يطلقها ترامب فشلها الذريع في تهدئة روع الأسواق المتوترة.
ولا تقف المأساة الأمريكية عند حدود الاقتصاد، بل تتجاوزها إلى مأزق عسكري خانق يعصف بكبرياء واشنطن. فرغم الحشد اللوجستي الهائل والترسانة التسليحية المرعبة، عجزت واشنطن عن تغيير المعادلة الحاكمة لمضيق هرمز. كل محاولة أمريكية لاستعراض العضلات وفتح هذا الممر المائي الاستراتيجي قوبلت برد حازم وحاسم، ليتحول ما كان يُفترض أن يكون استعراضاً للقوة والهيمنة إلى منصة قاسية تفضح الوهن والقصور. هذا العجز ليس مجرد انتكاسة تكتيكية عابرة، بل هو زلزال يضرب في صميم الاعتبار الاستراتيجي لدولة نصّبت نفسها، حتى الأمس القريب، شرطياً أوحد على ممرات العالم المائية.
غير أن الضربة القاضية تتمثل في الانهيار المدوّي للسردية الأمريكية. لقد أشعلت واشنطن فتيل صراع سوّقت له على أنه نزهة ستنتهي بانتصار ساحق وسريع، لكنها تستيقظ اليوم على واقع مرير يشكك فيه أقرب حلفائها بصحة روايتها الرسمية. أولئك الذين راهنوا على سحق القدرات الإيرانية وتدميرها، يصطدمون اليوم بدولة لم تحافظ فقط على تماسك وقوة آلتها العسكرية، بل نجحت في انتزاع المبادرة، منتقلة بحرفية من مربع الدفاع وتلقي الضربات إلى مرحلة “الهجوم المنضبط” وإدارة مسرح العمليات.
في خضم هذا التحول الدراماتيكي، يحمل كل يوم يمر من عمر هذا الصراع نتيجتين متلازمتين: الأولى تتمثل في استنزاف متصاعد وفاتورة باهظة تدفعها واشنطن من رصيدها الاقتصادي والعسكري والمعنوي. أما الثانية، فتتجلى في ممارسة طهران لـ “صبر استراتيجي” بالغ الدهاء، تدير من خلاله الميدان العسكري بيد، وتحرك بيادق دبلوماسيتها بيد أخرى، انطلاقاً من موقع المنتصر. وليس أدل على ذلك من الحراك الدبلوماسي الذي قاد وزير الخارجية الإيراني إلى بكين وموسكو؛ وهي زيارات لم تُجرَ لاستجداء الدعم أو طلب طوق نجاة، بل لهندسة مصالح مشتركة ورسم خرائط جديدة من موقع قوة واقتدار.
الخلاصة التي يفرضها منطق التاريخ وصراعات الأمم هي أن الحروب المبنية على كسر الإرادات وصراع الروايات لا يحسمها من يمتلك النار الأكثف، بل من يمتلك القدرة على ترويض الوقت وإدارته، لا من يختنق في شباكه. واليوم، تبدو أمريكا عالقة في عنق زجاجة الوقت، بينما تخطو إيران، مع كل ساعة تمر، خطوة أثقل نحو تكريس واقع ونظام عالمي جديد.
