السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمقبرة الهيمنة!.. بقلم نزار أحمد

مقبرة الهيمنة!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

لم تكن المواجهات الليلية التي شهدتها مياه الخليج مؤخراً مجرد مناوشات عابرة في سجل التوتر التاريخي بين واشنطن وطهران، بل كانت في جوهرها إعلاناً نارياً عن ميلاد هندسة جيوسياسية جديدة. لقد أدركت الإدارة الأمريكية أن الجمهورية الإسلامية بصدد تثبيت “نظام جديد” وقواعد اشتباك غير مسبوقة في مياه الخليج، فاندفعت واشنطن في محاولة يائسة لوأد هذه المعادلة قبل أن تتكرس كأمر واقع بمرور الزمن. لم تكن الغاية الأمريكية يوماً إنقاذ سفن تجارية أو تأمين ملاحة، بل كانت معركة كسر عظم لمنع هذا النظام الإيراني الجديد من التجذر في الوعي العالمي والإقليمي.

وفي هذا السياق، يمكن تفكيك ما سُمي إعلامياً بـ “عملية الحرية”، والتي وُلدت ميتة. فمنذ اللحظة الأولى، كان جلياً لكل خبير عسكري أن الدفع بمدمرتين وكاسحة ألغام لا يكفي لفتح شريان استراتيجي بحجم مضيق هرمز. لم يكن الهدف فتح الممر المائي، بل كان استعراضاً مسرحياً أرادت واشنطن من خلاله إرسال رسالة للعالم مفادها: “قد تتجرأ إيران على ضرب ناقلات النفط، لكنها ستجبن حتماً أمام قطعنا البحرية العسكرية”. كانت الخطة تقوم على كي الوعي وإسقاط هيبة الردع الإيراني، لكن السحر انقلب على الساحر بصورة دراماتيكية؛ فالقطع البحرية الأمريكية تعرضت للاستهداف، وبدلاً من العبور المختال الذي اعتادته البحرية الأمريكية لعقود، انتهى المطاف بتلك السفن مختبئة خلف صخور جزر قريبة من عُمان، في مشهد بالغ المهانة، لدرجة أن رئيساً استعراضياً مثل دونالد ترامب لم يجرؤ على تسويقه كانتصار.

هنا يبرز التساؤل المنطقي: إذا كانت طهران قد تجرأت وضربت، فلماذا لم تُغرق تلك المدمرات بالكامل؟ الإجابة تكمن في الفهم العميق لإدارة التصعيد. عسكرياً، لم يكن الإغراق معضلة مستعصية؛ فمدمرات فئة “آرلي بيرك” تحمل في جعبتها نحو عشرين صاروخاً اعتراضياً، وكان يكفي إطلاق سرب من عشرين أو ثلاثين طائرة مسيرة انتحارية لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات لاستنزاف مخزونها الدفاعي بالكامل، ومن ثم إرسالها إلى قاع البحر. لكن صانع القرار في طهران لم يفعل ذلك، ببساطة لأن المرحلة الحالية من المواجهة لا تتطلب هذا المستوى من التصعيد. لقد اكتفت إيران بكي الوعي الأمريكي والعالمي عبر توجيه ضربات دقيقة، لتبعث برسالة حاسمة: النظام الجديد قد قام، وأي فاعل يحاول العبث به سيتلقى رداً مباشراً، دون الحاجة لجر المنطقة إلى حرب شاملة.

أما مشهد عودة الأمريكيين المحفوف بالخزي لإنقاذ قطعهم البحرية المتضررة، فيحمل دلالات أبعد من مجرد عملية إجلاء. إن قبول واشنطن بهذا الخطر الكبير والمخاطرة بصورتها لانتشال سفنها، يؤكد أن القيادة العسكرية الأمريكية تضع في حُسبانها الدخول في مرحلة جديدة من المواجهة، ولا تريد أن تُبقي قطعها البحرية كرهائن في مرمى النيران الإيرانية إذا ما اتسعت رقعة الصراع. هذا الانسحاب التكتيكي هو في جوهره ترتيب للأوراق تحسباً للقادم.

في المحصلة، لا يقرأ المراقب لهذا المشهد سوى عنوان واحد: أمريكا تقبع في مأزق استراتيجي خانق. تعلن عن عمليات عسكرية بضجيج إعلامي صاخب، فتتلقى الضربات وتُحرم حتى من رفاهية الاستثمار الدعائي، ثم تعود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فتُضرب من جديد أمام أنظار العالم. إنها تتحرك في مسار مغلق، ترتطم بالجدران من كل جانب دون استراتيجية خروج واضحة. وفي المقابل، تثبت طهران، رغم كل التحديات والضغوط الطبيعية لأي حالة حرب، أنها تقبض على خيوط اللعبة بقوة، وتدير مسرح العمليات بثقة وندية تؤسس لواقع إقليمي لن يكون فيه للأمريكيين الكلمة العليا بعد اليوم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات