السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمالي: جمهورية بين فكي العسكر والجماعات المسلحة .. ثابت العمور

مالي: جمهورية بين فكي العسكر والجماعات المسلحة .. ثابت العمور

سودان تمورو

مالي الجمهورية التي تقف اليوم على حافة التنازع وقارعة التفكّك بين فكّي العسكر والجماعات المسلحة وتمرّد الانفصاليين كانت ذات يوم نواة لأكبر إمبراطوريات أفريقيا، “إمبراطورية مالي” التي تأسست في القرن الـ13 وامتدّت حدودها لتشمل غالبية الدول المجاورة (غانا ومالي وسونغاي)، وعُرفت بوفرة الذهب حتى سُمّيت بمملكة الذهب، تتوعّدها الجماعات المسلحة بينما غالبية سكانها مسلمون بنسبة تصل إلى 95%، وقد عرفت الإسلام منذ ألف عام، وهي دولة ذات إرث إسلامي عريق بها جامع جينيه أو المسجد الكبير وهو أكبر صرح في العالم مبنيّ من الطوب ويُعتبر أعظم نموذج للمعمار في أفريقيا.

تقف مالي اليوم على حافة الانفصال في مواجهة الصراع الدائر بين العسكر والانفصاليين والجماعات المسلحة، والسؤال ما هي أسباب الصراع ومآلاته وتداعياته؟ هل قدر مالي أن تبقى في دوامة الصراعات والانقلابات؟ هل يمكنها تجاوز نموذج الدولة الهشّة؟

الصراع والاشتباكات وأزيز الرصاص والتفجيرات بل حتى الانقلابات ليست مشهداً طارئاً في مالي، التي استقلّت عام 1960، وقد مرّت البلاد بأزمات عاصفة، أبرزها ما يُعرف بمسألة الطوارق وهي أزمة شعور سكان الشمال “الطوراق” بالتهميش التاريخي من قبل السلطة المركزية في باماكو، وهو ما أفضى لوجود حركات انفصالية تطالب بدولة “أزواد”.

عقب سقوط نظام القذافي تدفّقت الأسلحة والمقاتلون إلى شمال مالي، وبدأت البلاد تشهد موجات صراع وهجمات في الأطراف، الفشل في إيجاد حلّ جذري وفشل اتفاقات السلام وآخرها اتفاق الجزائر 2015، والإخفاق في تحقيق تنمية حقيقية، وهشاشة السلطة ودخول أطراف عديدة من الداخل والخارج واستغلال الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كلّها أسباب أفضت إلى انتهاء المشهد في مالي بين الفرقاء إلى الاحتكام للسلاح. وتداخل الإرهاب بالمظلومية حتى باتت الدولة تقاتل على جبهتين جبهة الانفصال وجبهة محاربة الإرهاب.

منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكم المدني في 18 آب/أغسطس 2020 دخلت مالي مساراً سياسياً وأمنياً مرتبكاً يتداخل فيه الداخلي مع الخارجي، لم يكن الانقلاب حلاً بل زاد المشكلة تعقيداً، وسرعان ما تآكلت شرعية المجلس العسكري التي بنيت على ثلاثة وعود هي السيادة الكاملة، والاستقلال ولا سيما عن النفوذ الفرنسي، واستعادة الأمن، ولم يتحقّق منها شيء فكان الانفجار على شكل هجوم نتيجة حتميّة.

صباح السبت 25 نيسان/أبريل 2026، استفاقت مالي على هجوم مركّز ومتزامن وغير مسبوق وتفجيرات متتالية استهدفت العاصمة باماكو ومدناً رئيسية أخرى. لم يكن الهجوم مجرّد حادث مُنعزل أو اشتباك محدود، كان عملية عسكرية متزامنة ومنسّقة اخترقت المنظومة الدفاعية ومربّعات أمنية محصّنة واستهدفت مراكز حيوية استراتيجية في قلب الدولة ومركزها، وأفضت لمقتل وزير الدفاع ساديو كامار؛ مهندس العلاقات داخل المجلس العسكري وعرّاب التحالف مع روسيا؛ والشخصية الأبرز التي تُمسك بخيوط المشهد.

كان الهجوم غير المسبوق والأخطر منذ اندلاع الأزمة الأمنية عام 2012، وأصبحت العاصمة باماكو في مرمى النيران، ووضع المجلس العسكري الذي يقود البلاد منذ انقلابي 2020-2021 أمام تحدّيات غير مسبوقة وتساؤلات مصيرية، ولا سيما وقد ألزم المجلس نفسه مسبقاً بالقضاء على الجماعات المسلحة واستعادة الاستقرار فيما عُرف بثنائية الأمن والسيادة. وجد المجلس العسكري نفسه يقاتل داخل شوارع العاصمة وفي مدينة كاتي معقله الاستراتيجي؛ كان الهجوم لحظة انكشاف أمني وعسكري وسياسي واجتماعي بالغة الأهمية ووصلت إلى مركز المجلس العسكري وعقر دار وزير دفاعه.

وفوق ذلك شكّلت استعادة جبهة تحرير أزواد لمدينة كيدال والسيطرة عليها في 26 نيسان/أبريل 2026 ضربة مركزية أخرى سحبت من رصيد المجلس العسكري وقوّضت روايته بادّعاء الانتصار عقب سيطرة الجيش على المدينة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023؛ التي استعادها من جبهة أزواد بعد سيطرتها عليها لعقد تقريباً.

لا تتوقّف مفارقات المشهد في مالي عند حدود الانقلابات ومحدّدات الصراعات ونيران الاشتباكات وصراع الجنرالات؛ ولكنها تصل حتى للتحالفات؛ ذلك أنه من بين المفارقات التي كشف عنها الهجوم حدوث تحالف غير مألوف وغير مسبوق وعابر لأيديولوجيا متعارضة ومتناقضة ما بين جبهة تحرير أزواد الانفصالية وبين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تتبع القاعدة.

ما لم يكن في حسبان المجلس العسكري وكشفه الهجوم هو التقارب حدّ التحالف العملياتي بين مكوّنين مختلفين؛ هما جبهة تحرير أزواد التي تُقدّم نفسها كواجهة للطوارق، وجماعة نصرة الإسلام التي تقدّم نفسها كمدافع عن الإسلام والمسلمين، وبينما تحمل الجبهة مشروعاً انفصالياً تحمل الجماعة مشروعاً قتالياً عابراً للحدود، صحيح أنّ التقارب عابر ولا يعني حدوث وحدة فكرية أو حتى تنظيمية وهيكلية موحّدة ولكنه تحدٍ ماثل سيكون له ما بعده في تشكّل المشهد السياسي والاجتماعي والأمني في مالي. ولا سيما أنّ الطرفين يلتقيان ويجتمعان على مواجهة المجلس العسكري والجيش، والنفوذ الروسي.

الهجوم الذي شهدته مالي لا يمكن وصفه بأنه عملية عسكرية مركزية كبرى وإن كانت هجماته متزامنة بل هو انفجار مدوٍ نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية ممتدّة منذ سنوات، ازداد منسوبها التراكمي في الأشهر الماضية نتيجة لعدة متغيّرات، بعضها داخلي وبعضها الآخر خارجي، حتى أفضت إلى تدحرج المواجهة بين العسكر والجماعات المسلحة -جماعة نصرة الإسلام- وانتقالها من الأطراف والمناطق النائية إلى المركز ومن استنزاف الجيش إلى ضرب الدولة من خلال التطويق والخنق الاقتصادي واستهداف قوافل الوقود والإمداد، ولا سيما الطرق التي تربط العاصمة باماكو بالموانئ والدول المجاورة.

الجديد في الهجوم الأخير الذي شهدته مالي أنّ المواجهة تمدّدت ولم تعد محصورة في الشمال والوسط بل انتقلت إلى عمق العاصمة وإلى مراكز صناعة القرار وانتهت بمقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، في هجوم على مقرّ إقامته، وهو حدث لا تقاس خطورته بعدد الضحايا وحده، بل بما يحمله من معنى سياسي وعسكري بأنّ النواة الصلبة للنظام لم تعد بعيدة عن الاستهداف، وأنّ الحرب وصلت إلى دائرة القرار نفسها؛ وكشفت هشاشة حكم العسكر، ما حدث قد يشجّع العودة مرة أخرى للهجوم.

تداعيات ما حدث في مالي لا تقتصر على المشهد داخل البلاد بل ستتمدّد تبعاته إلى الدول المجاورة وستصل شمال أفريقيا بل وحتى أوروبا، لأنّ سقوط مالي سيؤدّي الى تحوّلات كبرى في أنحاء أفريقيا كافة.

وهو يفتح الباب أمام سيناريو تفكّك الدولة ثمّ انفصالها وتقسيمها، أو سيناريو “دعشنة” البلاد واستيلاء الجماعات المسلحة “الجهادية” على مفاصلها. الأمر الذي سينعكس على الدول الإقليمية المجاورة ويؤدّي إلى حدوث تحوّل في التهديدات والتحدّيات وانفتاح الحدود أمام حركة السلاح والمقاتلين عبر فضاء الساحل الأفريقي كلّه.

المُقلق في الهجوم ليس في حيثياته وتحالفاته فقط ولكن في تداعياته التي لا تقتصر على مالي وحدها بل ستمتدّ إلى كامل المنطقة الأفريقية لتصل إلى غرب أفريقيا وجنوب ليبيا وإلى تشاد وبحيرة تشاد وإلى شرق أفريقيا من خلال الالتحام بحركة الشباب في الصومال.

مستقبل المشهد في مالي يبقى معلّقاً على واحد من السيناريوهات الآتية؛ الأول: استعادة السيطرة من خلال التشدّد الأمني وحظر التجوّل واعتقال المعارضة والتعبئة الشعبية ومزيد من العسكرة والقمع، هذا السيناريو يؤجّل الانفجار لا ينهي الأزمة ولا يعالجها وبالتالي ستعود البلاد للانفجار مرة أخرى.

الثاني: إعادة تدوير الأزمة والذهاب لترتيبات داخل المجلس العسكري بإبعاد بعض الوجوه أو تحميلها مسؤولية ما حدث، وهذا سيناريو لا يحلّ الأزمة ولكنه يحاول امتصاص الغضب الداخلي.

الثالث: الانفتاح على أن يغيّر العسكر العقلية الإقصائية التي يديرون بها البلاد واستيعاب مقتضيات التنوّع في البلاد وإشراك الجميع في إدارة شؤون البلاد؛ وهذا سيناريو مستبعد لأنه يتعارض مع العقلية العسكرية للجنرالات.

إنّ خطورة المشهد في مالي تكمن في بقاء الوضع على ما هو عليه واستمرار التآكل التدريجي للدولة لتبقى البلاد مُعلّقة وعالقة بين فكّي العسكر والجماعات المسلحة والانفصاليين، التمدّد الروسي والتربّص الفرنسي والأطراف الإقليمية الخارجية.

ختاماً الصراع في مالي لم ينتهِ ولا يبدو أنه قريب من الحلّ، وعودة الجيش إلى ثكناته لا تعني توقّف الأسباب التي أدّت إلى حدوث الهجوم، ووقف الهجوم من خلال دعم فيلق أفريقيا لا يعني أنّ الصراع انتهى وأنّ الهجوم لن يتكرّر. قدر مالي أنها استقلّت بتركة ثقيلة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وحتى اللحظة لم يستطع الفرقاء الشركاء في البلاد الاتفاق والتوافق على تقديم نموذج لدولة، وقُدّمت البلاد كنموذج للدولة الفاشلة المحكومة للعسكر والانقلابات والصراعات.

وبالتالي إذا لم يفتح العسكر حواراً حقيقياً مع المكوّنات السياسية والاجتماعية وتحديداً الشمالية بعيداً عن الاحتكام للبندقية فإنّ مالي ستتجه إلى حرب استنزاف وانقسام وانفصال تمتدّ تبعاتها لعموم أفريقيا.

أفريقيا
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ثابت العمور
ثابت العمور
باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية – فلسطين

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات