سودان تمورو
شهدت مياه الخليج ومحيط مضيق هرمز خلال اليومين الماضيين تصعيداً ميدانياً لافتاً، شمل اشتباكات في بعض الجزر والمناطق الساحلية الإيرانية، وامتد ليطال بقصف مركز بعض المدن والموانئ في دولة الإمارات. وفي خضم هذا التوتر، سارعت الإدارة الأمريكية عبر مسؤوليها إلى فصل هذه العمليات العسكرية المحدودة عما تطلق عليه واشنطن عملية “الغضب الملحمي”، في محاولة واضحة لرسم إطار جديد للصراع وإدارة الأزمة بالنار.
القراءة المتأنية لهذا السلوك العسكري تشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى في الوقت الراهن إلى الانزلاق نحو حرب شاملة ومفتوحة مع إيران، بل تهدف إلى ترويض الجبهة وإرساء “قواعد اشتباك” جديدة تقوم على مبدأ تبادل الضربات المحدودة والمحسوبة، في استنساخ دقيق للنموذج القائم بين حزب الله اللبناني وإسرائيل. غير أن هذه المقاربة تمثل في جوهرها أسوأ تجليات مرحلة “اللاحرب واللاسلم”، فهي تضع المنطقة فوق صفيح ساخن دائم وتستنزف قدرات الخصم ببطء دون الوصول إلى مواجهة حاسمة.
تكمن الخطورة البالغة لهذه الاستراتيجية الأمريكية في أن واشنطن، بمجرد تثبيت هذه المعادلة، لن تكتفي بحصر ضرباتها “المحدودة” في النطاق البحري أو الشريط الساحلي. فمع مرور الوقت، ستجد الولايات المتحدة ذرائع كافية لاستهداف عمق الأراضي الإيرانية متى ما لاحت لها فرصة اصطياد هدف استراتيجي ثمين. والأخطر من ذلك، أن يد واشنطن ستصبح طليقة لاستهداف شخصيات وقيادات إيرانية رفيعة المستوى، مطمئنة إلى أن رد الفعل في الجهة المقابلة لن يتجاوز السقف “المحدود” والمبرمج مسبقاً. هذا الواقع الميداني المعقد سيفرض طوقاً أمنياً خانقاً على المسؤولين والقيادة في إيران، ويقيد حركتهم وقدرتهم على التواصل المباشر مع الجماهير أو ممارسة مهامهم بحرية، خشية التعرض للاغتيال في أي لحظة.
أمام هذا الفخ الاستراتيجي المتدحرج، يبدو أن الخيار الأنجع أمام طهران -إن كانت ترفض حقاً الانجرار إلى هذه المعادلة الاستنزافية- هو قلب الطاولة وتغيير قواعد اللعبة بشكل جذري. على صانع القرار الإيراني أن يعلن بوضوح وصرامة أن أي عمليات بحرية أو قصف يطال المناطق الحدودية والساحلية سيُعتبر انتهاكاً صريحاً وإعلاناً بانتهاء أي حالة لوقف إطلاق النار. يجب إرساء عقيدة ردع جديدة تقوم على معادلة صفرية: أي استهداف أمريكي، مهما كان حجمه أو نطاقه محدوداً، سيُقابل برد يفتح أبواب الحرب المفتوحة على مصراعيها.
إن تبني هذا الموقف الحازم لن يؤدي بالضرورة إلى اشتعال حرب إقليمية، بل على العكس تماماً؛ فهذا الحل الصارم سيكسر حلقة الاستنزاف، وسيعجل بدفع عجلة المفاوضات نحو نتائج حاسمة، وسيكون الكفيل الوحيد بغلّ يد واشنطن ومنعها من العبث المستمر بأمن طهران وتحويل سيادتها إلى مجرد ساحة لاختبار “الضربات المحدودة”.
