سودان تمورو
مع اندلاع شرارة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وجدت أوروبا نفسها مرة أخرى في عين عاصفة خارجية تضرب في صميم أمنها للطاقة، واستقرارها الاقتصادي، ومكانتها الجيوسياسية. وفي الوقت الذي كانت فيه التوقعات الكلاسيكية تراهن على اصطفاف أوروبي موحد لمواجهة تداعيات هذا الزلزال المسمى بـ “حرب رمضان”، جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن بروكسل؛ فلم تكتفِ هذه الأزمة بتعرية العجز الأوروبي، بل لعبت دور المجهر الذي كشف وعمق شروخاً تاريخية كامنة في جدار الاتحاد الأوروبي، لتشتعل دفعة واحدة من الخلافات المؤجلة حول حرب أوكرانيا، والارتهان الأمني لواشنطن، وهندسة سياسات الطاقة.
وبدلاً من أن تتحدث القارة العجوز بصوت واحد في الشرق الأوسط، تفرقت بها السبل لتكشف عن غياب فاضح لأي إجماع حول الدور الذي ينبغي أن تلعبه. ففي حين سارعت باريس لمحاولة تقمص دور العراب الدبلوماسي وصانع السلام، اختارت عواصم أخرى مثل برلين ولندن الانخراط العملي والاصطفاف خلف الرؤية الأمريكية عبر تقديم الدعم اللوجستي. وعلى النقيض تماماً، غردت دول مثل إسبانيا خارج السرب بتبنيها خطاباً شديد اللهجة وناقداً بحدة للسياسات الإسرائيلية والأمريكية. هذا التشرذم في المواقف أجهض أي فرصة للاتحاد الأوروبي ليكون وسيطاً نزيهاً أو لاعباً متماسكاً في الأزمة، بل ووجه ضربة قاضية لطموحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الساعية لترسيخ “استقلالية أوروبا”؛ ليترسخ في الأذهان مشهد قارة مشتتة، ومسلوبة الإرادة، وعاجزة عن اتخاذ قرار سيادي في أوقات المحن.
ولعل هذا التخبط الدبلوماسي لم يكن سوى انعكاس لصدع أعمق يتعلق بتعريف “المصلحة الوطنية” لكل دولة أوروبية على حدة. فالمعسكر الذي تتزعمه ألمانيا لا يزال يرى في المظلة الأمنية الأمريكية قدراً لا مفر منه، مقراً بعدم نضوج أوروبا للعمل منفردة، في حين تتشبث فرنسا بانتهاز كل أزمة لترويج حلم “الاستقلال الاستراتيجي”. وما زاد الطين بلة هو تزامن هذا الانقسام مع احتدام السباق الاقتصادي مع الصين، والذي فرض على أوروبا تبعيات جديدة في قطاعات حساسة كالتكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تحولت طريقة التعاطي مع إسرائيل إلى ساحة حرب سياسية باردة داخل أروقة الاتحاد؛ فبينما تقود إسبانيا وسلوفينيا تياراً نقدياً متصاعداً، تستميت دول أخرى في الحفاظ على التصاقها الأعمى بالبوصلة الأمريكية، مما شلّ آلية صنع القرار الأوروبي وجعل من فكرة “السياسة الخارجية المشتركة” مجرد حبر على ورق.
وتأتي هذه العاصفة الشرق أوسطية في أسوأ توقيت ممكن، حيث لا تزال أوروبا تنزف اقتصادياً وعسكرياً في الوحل الأوكراني. لقد شكل هذا التزامن عبئاً ساحقاً على الموارد الأوروبية، إذ وجدت العواصم نفسها ممزقة بين فواتير التسلح الباهظة، ونقص الإمدادات العسكرية الأمريكية، والاضطراب المستمر في أسواق الطاقة. وما فاقم من حالة الانكشاف الأوروبي هو التلاسن الحاد مع واشنطن، والذي دفع دونالد ترامب للتلويح بقطع شريان الدعم العسكري عن أوكرانيا، تاركاً أوروبا مكشوفة وضعيفة في مواجهة موسكو. هذا التهديد أحدث زلزالاً ارتدادياً في الداخل الأوروبي؛ فبينما تصر دول كبولندا على الاندفاع نحو دعم كييف مهما كان الثمن، بدأت أصوات أخرى تدعو للواقعية السياسية وتقليص الانخراط في المستنقع الأوكراني، وهو تباين ينذر بتآكل الإجماع الأوروبي ضد روسيا ويفتح الباب واسعاً أمام صعود تيارات اليمين القومي الانعزالي.
في نهاية المطاف، لا يمكن محاكمة “حرب إيران” على أنها المعول الأول الذي هدم وحدة أوروبا، بل هي بالأحرى “مادة محفزة” صبت الزيت على نار التناقضات الكامنة. إن الشلل الذي أصاب القرار الأوروبي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن علة أوروبا الحقيقية لا تكمن في نقص الموارد أو انعدام القوة، بل في التضارب الصارخ في أجندات وأولويات دولها. وفي غياب قيادة سياسية موحدة تمتلك كاريزما الحسم، وافتقارها لإجماع استراتيجي مستدام، فإن القارة العجوز تحكم على نفسها بالبقاء في مقاعد المتفرجين، لتتآكل فاعليتها الدولية أزمةً تلو الأخرى، في عالم لم يعد يعترف إلا بالأقوياء.
