سودان تمورو
ثمة ما هو أعمق من الرسالة الدرامية حينما تُعلن الكاميرا أنّها لن تتوقف على الرغم من أنّ الصواريخ كانت تسقط، إلا أن الأمل لا يسقط في سردية المعتدى عليه، وأن طواقم الإنتاج تنتقل بين طهران ومشهد وأرومية وساري وخرم آباد في الوقت الذي تتصاعد فيه خطابات الحرب وتتوتر فيه المنطقة من أقصاها إلى أقصاها نتيجة الحرب الاسرائيلية-الأميركية على الجمهورية الإسلامية.
هذا بالضبط ما فعله وما يزال مسلسل -“أخضر، أبيض، أحمر” أو باللغة الفارسية “سرو، سپيد، سرخ”- حين اختار أن يكون حاضراً، منتِجاً، مبثوثاً، ومدبلجاً بالعربية في آنٍ معا لأول 15 حلقة تم إنجازها، كأنّه يرد على الصاروخ بجملة درامية لا تقل عنه تأثيراً في عالم الرواية والسرديات.
لن أتحدث عن المسلسل بوصفه عملاً فنياً لأنّني لست متخصصاً ولا تتسع المقالة لهذا الترف المنعزل؛ بل نبحر نحو ما يجري فيه وحوله من حرب موازية، أكثر هدوءاً لكنها لا تقل ضراوة، حرب تُخاض بالصورة والصوت والحكاية الإنسانية البسيطة التي تبدو للوهلة الأولى أنها مجرد قصة امرأة ورجل وطفل في زمن الأزمة، إلا أنّها في الحقيقة خطاب سياسي ووجودي مُدوَّن بلغة الحياة اليومية، سيُبث على شاشات تصل إلى الجمهورَين، العربي بلسان مدبلج، والفارسي بلسان المسلسل. وهنا تحديداً تكمن الرهانات الكبرى لهذا المشروع الإعلامي-الفني غير المسبوق في توقيته.
العنوان وحده يحتاج إلى وقفة: “أخضر، أبيض، أحمر” ليست مجرد ألوان جمعتها الصدفة أو جماليات بصرية اختارها المخرجون، إنما هذه ألوان العلم الإيراني بترتيبها الدقيق، وهي بذلك تحمل بُعداً يتجاوز الدراما إلى الهوية الوطنية الجامعة. الأخضر بما يحمله من دلالة الإسلام والحياة والأمل، والأبيض بما يعنيه من صفاء وسلام يتوق إليه، والأحمر بما يختزنه من دم سُفك وشهادة وتضحية لا يُفرَّط فيها دفاعاً عن الإنسان وجغرافيته.
فحين يضع صانع الدراما علم بلاده عنواناً لعمله، فإنه لا يُسمّي فيلماً بل يُعلن موقفاً، ويقول إن ما ستراه ليس حكايات منفصلة عن هذه الأرض بل نتاجها الحي، نبضها الذي لم يتوقف، وهو بذلك يحوّل الشاشة إلى علم مرفوع بوجه الغياب الذي يعانيه الإعلام الإيراني نتيجة العقوبات التي تحول دون التنافس الفضائي في حرب الرواية الإعلامية سواء في زمن الحرب أم ما قبلها في أربعينية الأعوام التي عاشتها تحت العقوبات.
إنّ ما يجعل هذا المشروع استثنائياً من منظور إعلامي تحليلي؛ أنّه يأتي في لحظة يحاول فيها خصوم السردية الإيرانية -بأدواتهم الإعلامية وتمويلاتهم الضخمة كلها- أن يُروّجوا لصورة إيران المُنهَكة، المتصدعة، المشلولة، وبخاصة أنّ الرواية المضادة التي يُسوّق لها غالبية ذلك الإعلام الموجّه؛ تقوم على افتراض أن الضغطين العسكري والاقتصادي يُنتجان انهياراً حضارياً وثقافياً، وأنّ المؤسسة الفنية الإيرانية لا بد أن تكون كذلك في سبات أو فوضى، ليبرز مسلسل “أخضر، أبيض، أحمر” ليُفنّد هذه الرواية لا بخطاب سياسي مباشر ولا ببيانات رسمية، بل بشيء أكثر إزعاجاً لتلك الرواية وأصعب تفنيداً: بالدليل الحي، من خلال فريق عمل ضخم يضم أربعة عشر مخرجاً يعملون في وقت واحد!، وبمدن إيرانية متعددة تُصوّر في وقت واحد، وعلى منصة مُعرّبة (آي فيلم) تتلقف العمل فور إنتاجه لتُقدمه بلغة الجمهور المقابل (مُدبلجاً).
كذلك فعلت البنية السردية الدرامية للعمل التي كانت بحد ذاتها رسالة من حيث اختيار الحلقات المستقلة، فكل حلقة عالم قائم بذاته، وهو ليس قراراً فنياً عشوائياً؛ إنه يُشبه إلى حدّ بعيد بنية الشهادة، إذ تتعدد الأصوات ولا تُقلّص الحقيقة في صوت واحد أو منظور واحد.
كل قصة تُضيف طبقة، وكل شخصية تفتح نافذة على التجربة الإنسانية في أوقات الأزمة، وهذا التعدد بحد ذاته موقف أخلاقي وسردي رافض للأحادية التي تُصادر التجربة الإنسانية وتختزلها في ثنائية الخير المطلق والشر المطلق.
إنّ السرديات المتنوعة التي تتناول العلاقات الإنسانية تحت ضغط حرب – شهر رمضان، الأربعون يوماً، ملحمة الدفاع المقدس- لا تُقدّمها بوصفها مجرد عمليات عسكرية بل تستعيدها من منظور الإنسان الذي يعيش فيها ويُحاول أن يظل فيها مصارعاً للبقاء والمعيشة، وهو من جهة مدبلجة أخرى، خطاب يستهدف الوجدان العربي الذي عاش تجارب مشابهة وما يزال يحيا تحت وطأة أزمات متشابكة.
إنّ التزامن بين الإنتاج والبث وإعداد النسخة العربية ليس فنّاً تقنياً بل هو الرهان الزمني الحقيقي في حروب السردية. فالإعلام الذي يُنتج عن بُعد، وبعد انتهاء الأزمة يصل متأخراً ويحمل في تأخره هزيمة ضمنية، أما الإعلام الذي يُنتج أثناء الحدث، ويُبث متزامناً مع وقع الأحداث، ويصل إلى جمهوره وهو ما يزال يعيش لحظة مشتركة مع لحظة الإنتاج، فهذا إعلام يُشارك في صناعة الواقع لا في توثيقه فقط، وأنّ قناة (آي فيلم) بإدراجها هذا العمل ضمن خطة الدبلجة العربية تُدرك هذه المعادلة جيداً، وتُثبت أن المشروع لا يستهدف الجمهور الإيراني وحده، بل هو رسالة موجهة عبر البحر والحدود إلى المنطقة بأسرها.
والحديث عن تصوير المسلسل في خمس مدن إيرانية بالتزامن -طهران العاصمة ومشهد المقدسة وأرومية الواقعة في الشمال الغربي وساري الشمال وخرم آباد الغرب الجبلي- لا يُحيل فقط إلى التنوع البصري الذي يُثري الدراما جمالياً؛ بل إلى خريطة جغرافية تُعلن أن إيران كلها حاضرة وموحدة في هذا العمل لا عاصمتها فقط، وأنّ الفنّ ليس حكراً على المدن الكبرى، إنما هو ضرورة وطنية تُمارَس في كل بقعة، أنّ هذه الوفرة الجغرافية في زمن الضغوط هي في حد ذاتها بيان موقف ورسالة في الجيوبوليتيك السياسي.
وحين يتناوب أربعة عشر مخرجاً على إخراج حلقات هذا العمل، فهذا لا يعني تشتتاً في الرؤية؛ إنما يُشير إلى شيء أعمق في الثقافة الدرامية الإيرانية، وبخاصة أن الفنّ صناعة جماعية حيّة لا نجمة منفردة وساطعة؛ فكل مخرج يُضيف بصمته ويُقدّم رؤيته لما يعنيه الإنسان في حالة الحرب، وهذا التعدد في اللهجات المبدعة يُنتج في نهاية المطاف للداخل الإيراني منتجاً أكثر ثراءً وأقل قابلية للتفكيك والدحض من أي عمل أحادي الرؤية، فتعدد اللهجات في الدراما من منظوري كمشاهد محلل هو: مرآة لتعدد الشهادات في الواقع، وهو بذلك يُكسب العمل مصداقية بنيوية تسبق المحتوى.
الدراما الإيرانية لم تكن في يوم من الأيام ظاهرة فنية مُنفصلة عن السياق، من مسلسلات الحرب التي صنعت ذاكرة جيل كامل إلى الأعمال التي أعادت صياغة العلاقة مع الجار العراقي وانتقلت من الحرب إلى الصداقة، وكذا الحال مع الأزمات الإقليمية الكبرى، فكانت الدراما الإيرانية دائماً جزءاً من منظومة التواصل الثقافي والسياسي، تُقدّم ما لا تستطيع الخطابات الرسمية تقديمه من الوجه الآخر للموقف.
وأنّ “أخضر، أبيض، أحمر” ابن هذه المدرسة الراسخة، لكنه يُضيف عليها بُعداً زمنياً جديداً هو: التزامن مع الحدث الأكبر في تاريخ إيران الإسلامية المعاصر، ليصبح توثيقاً حياً لا ذاكرة مُعادٌ إنتاجها.
ما يستحق التأمل أيضاً هو أن مصطلح (حرب رمضان) التي يتناولها المسلسل تحمل في التاريخ الإيراني ثقلاً خاصاً؛ فهي لحظة من اللحظات المفصلية التي رسمت ملامح الهوية الوطنية وأنتجت نماذج في التضحية والصمود ما تزال حية في الوجدان الجمعي عندهم، وإعادة تناول هذه المحطة درامياً في لحظة حرب جديدة ليست صدفة؛ إنها استدعاء واعٍ للذاكرة الجمعية كي تمنح الحاضر قوة رمزية من الماضي، فالحرب الجديدة تحتاج إلى ذاكرة الحروب القديمة كي تمنح أبناء الجيل المعاصر -الجيل الذي لم يشهد الثورة الإسلامية- شعوراً بالامتداد والجذر والمعنى، وهذا ما تفعله الدراما حين تُوظّفها المجتمعات بذكاء.
وفي نهاية رحلتنا في مسلسل “أخضر، أبيض، أحمر” أقول كمحلل: إنه ليس مجرد مسلسل يُصوَّر أثناء حرب؛ إنه أحد أوجه الحرب نفسها التي خرجت فيها إيران منتصرة على مختلف الصعد والحسابات، ذلك الوجه الذي يُقاتل بالصورة ويُقنع بالحكاية ويُقيم الحجة بالإنسان فضلاً عن الصاروخ والمُسيرة والنووي.
وهو بألوانه الثلاثة المستعارة من علمه يُعلن أن الهوية لا تُحاصَر، وأن السردية تُصنع في الميدان بالقدر نفسه الذي تُصنع فيه داخل الاستديو، وأن الكاميرا حين تدور تحت القصف لا تُصوّر دراما وحسب؛ بل تكتب سطوراً في التاريخ: أن هناك قوماً لم يتوقفوا عن صناعة الحياة بعد الاعتداء عليهم واستشهاد أبنائهم.
كاتب ومحلل سياسي عراقي
