سودان تمورو
من قلب الخرطوم، حيث نراقب بدقة تحولات الجيوسياسة في منطقتنا، يبدو أننا بصدد مشهد إيراني جديد تماماً يتجاوز مفاهيم “حروب الظل” التقليدية. لم يعد الأمر مجرد رد فعل على فعل، بل انتقلت طهران إلى مرحلة “إعادة الضبط الشاملة” لقواعدها الأمنية والسلوكية، في رسالة مشفرة تارة وعلنية تارة أخرى، موجهة لكل من يهمه الأمر في عواصم المنطقة وخلف البحار.
هذا التحول، الذي نلمس أثره اليوم، يقوم على معادلة حسابية دقيقة وصارمة: أي فاعل إقليمي يختار الانخراط في أجندة التصعيد الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، بأي مستوى كان، سيجد نفسه فوراً في خانة “التهديد الفعلي”. هنا، لا تفرق العقيدة الأمنية الإيرانية الجديدة بين المشاركة العسكرية المباشرة وبين تقديم الدعم اللوجستي أو السياسي؛ فالارتباط بالماكينة الحربية للخصم يعني استحقاق الرد، وبقوة قد تتجاوز حجم الفعل الأصلي.
المثير للاهتمام في هذه الصياغة الجديدة هو تجاوز مفهوم “الاستجابة للأفعال” إلى “محاسبة النوايا”. في السابق، كانت القواعد تقتضي انتظار وقوع الاعتداء للرد عليه، أما اليوم، فإن مجرد رصد “نيات عدائية” أو تحركات سياسية تهدف لتطويق الأمن القومي الإيراني، بات يُصنف كتهديد عيني يستوجب رداً وقائياً. وما نراه في التعاطي الإيراني الأخير مع ملفات تخص دولاً مثل الإمارات والكويت، ليس إلا تطبيقاً عملياً لهذه القاعدة؛ حيث يتم التعامل مع المناخ السياسي والتعاون العسكري مع واشنطن وتل أبيب كجزء من جبهة واحدة لا تقبل التجزئة.
إننا أمام استراتيجية إيرانية تسعى لفرض “تكلفة باهظة” على أي تحالف إقليمي يهدف للنيل منها. لم يعد الصبر الاستراتيجي هو الخيار الوحيد على الطاولة، بل حل محله منطق “الندية المطلقة” وتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل كل من يسهّل أو يشارك في الضغط على طهران. هي رسالة واضحة لكل الجيران: إن قواعد اللعبة قد تغيرت، والحياد لم يعد مجرد كلمة تقال في المحافل الدبلوماسية، بل هو سلوك ميداني يُقاس بميزان الأمن القومي الإيراني الذي بات لا يغفر حتى “النوايا” إذا ما اتجهت نحو التصعيد.
