سودان تمورو
ما إن أطلّت علينا “مؤسسة جينسا” اليهودية (معهد الأمن القومي الأمريكي) بتقريرها الأخير الذي حمل عنواناً دالاً هو “الشعب الإيراني: أقوى سلاح لأمريكا”، حتى تأكدت أن واشنطن دخلت طور الهذيان الاستراتيجي. التقرير الذي وُضع على طاولة إدارة ترامب يدعو، في آنٍ واحد، إلى مواصلة المحاصرة البحرية لإيران، واستئناف القصف الجوي، ثم ــ ويا للسخرية ــ يطلب تسليح المواطنين الإيرانيين أنفسهم ليقوموا بمهمة “تغيير النظام” من الداخل. ولم يكن ذلك مجرد فقاعة في بحر المراكز البحثية، بل تزامن مع تسابق من مارك ليفين، المذيع اليهودي في شبكة “فوكس نيوز” وأحد أبرز المحرّضين على الحرب، والذي كرر مراراً أن الطريق الوحيد لإسقاط الجمهورية الإسلامية هو إرسال شحنات السلاح إلى الإيرانيين.
ككاتب مصري يتابع المنطقة بعينٍ قلقة، لا يسعني إلا أن أقولها صريحة: إنه الإفلاس يا سادة! إفلاس العقل الاستراتيجي الذي يعيد تدوير وصفات فاشلة بطريقة أشدّ غباءً وكأنه يبحث عن مصائب جديدة. ألم يسبق لهم أن جربوا تسليح المتظاهرين الإيرانيين في منعطفات سابقة؟ بلى، ولكن معظم الأسلحة التي أُرسلت وقتها استأثر بها الأكراد لأنفسهم وانقلبت المعادلة رأساً على عقب، فزادت المشهد تعقيداً وأحرقت أيدي من راهنوا عليها. اليوم يعودون بعد فشلين عسكريين مدويين: حرب الاثني عشر يوماً التي أرادوا بها كسر إرادة طهران فانكسرت أحلامهم على صخرتها، ثم حرب الأربعين يوماً الطاحنة التي خرجوا منها يلعقون جراحاً غائرة ويُحصون خسائر لم تكن في الحسبان. ومع ذلك ها هم مصرّون على إعادة الكَرّة بنفس الأدوات ونفس الأوهام، بل بغباء إضافي يكاد يكون فَنّاً إفلاسياً باذخاً.
هذه الدعوة في جوهرها عبثية وهدّامة، فالحديث عن تسليح المدنيين من أجل “تغيير النظام” هو وصفة جاهزة لإغراق البلاد في حمامات من الدم شبيهة بما جرى في ليبيا وسوريا، حيث يتحول السلاح إلى أداة تدمير شامل ويختفي الشعب الذي يُزعم الدفاع عنه خلف غيوم المآسي. والأخطر أن هذه الأطروحات تصدر عن لوبيات لا يعنيها أمن إيران ولا استقرارها، بل تصفية حسابات جيوسياسية في ساحات تحترق بدماء الأبرياء.
أما عن صمت المنظمات الدولية وهي ترى دولة عظمى تعلن رغبتها في تسليح مواطنين لإسقاط نظام دولة أخرى، فهو صمت لا يحتاج إلى تحليل طويل؛ فقد كشف دونالد ترامب نفسه وظيفتها الحقيقية حين قال بكل وضوح إنها موجودة “لمحاسبة الأفارقة”. فلتذهب الشرعية الدولية إلى الجحيم ما دام المخطط يستهدف الخصم الإيراني، ولتُدفن مواثيق الأمم المتحدة تحت أنقاض النفاق، المهم أن تُسفك هذه المرة دماء محلية، بعد أن فشلت الأيادي الأمريكية والإسرائيلية في المواجهة المباشرة.
الخلاصة التي يعرفها كل متابع نبيه لهذه المهزلة المتجددة، أن الولايات المتحدة ستظل تفشل طالما أنها تعيش خارج سياق التاريخ وتتعامل مع شعوب منطقتنا كقطع شطرنج صامتة يُعتقد أنها قابلة للتحريك بالمال والرصاص. فشلت في أفغانستان، وفشلت في العراق، وفشلت أمام إيران لا مرة بل مرات، وستفشل مجدداً لأنها ببساطة لم تتعلم أن الشعوب لا تُشترى بصناديق الذخيرة.
