الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا يخشى الأتراك سيناريو عودة العدوان على إيران؟ لمياء أحمد

لماذا يخشى الأتراك سيناريو عودة العدوان على إيران؟ لمياء أحمد

سودان تمورو

مع احتدام التوتر بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأسابيع الأخيرة، واحتمال انزلاقه إلى مواجهة عسكرية تعيد إشعال المنطقة، يتبلور مزاج ثقيل في الشارع التركي، بين رفضٍ للحرب وخوفٍ متصاعد من تداعياتها.

ويثير تنامي هذا الاحتمال، وما قد يحمله من اتساع رقعة الصراع في الإقليم، حالة من القلق الواسع في الأوساط الشعبية التركية، ويفتح نقاشات اجتماعية تعكس توجهات واضحة لدى الرأي العام، تتمحور حول رفض الانخراط في الحرب، والخشية من امتدادها إلى الداخل التركي، إلى جانب تصاعد القلق من انعكاساتها الاقتصادية.

وتعكس استطلاعات الرأي هذا المزاج العام، إذ يُظهر استطلاع أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية التركي (SDE) مؤخراً أن نحو 93% من الأتراك يعارضون الحرب على إيران، فيما يرى 56% منهم أن تركيا قد تكون الهدف التالي، ما يشير إلى رفض شعبي واسع للحرب، مقروناً بإحساس متزايد بالتهديد.

الوقوف على الحياد مع تعاطف متزايد مع إيران

يتجه الرأي العام في تركيا إلى تجنّب الانخراط في أي صراعات عسكرية خارجية، والنأي بالبلاد عن دوائر التوتر والحروب الإقليمية. ولا تخرج الحرب على إيران عن هذا السياق، إذ يفضّل نحو 68% من الأتراك بقاء بلادهم على الحياد، وفقاً لاستطلاع أجرته شركة متروبول التركية (MetroPOLL) المتخصصة في استطلاعات الرأي والبحوث السياسية  في آذار/مارس الماضي.

وفي الوقت نفسه، تحمل شريحة واسعة من المجتمع الولايات المتحدة و”إسرائيل” مسؤولية تصعيد التوتر في المنطقة، ويعكس هذا الموقف تصريح فاطمة كايا لـلميادين نت، قائلة إن “أميركا وإسرائيل تصعّدان التوتر بلا مبررات مقبولة، وعليهما تحمل المسؤولية أمام شعوب المنطقة، وعلى المجتمع الدولي إيقافهما”.

وقد أسهمت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في أواخر شباط/فبراير 2026، في تعزيز اتجاهات التعاطف مع طهران داخل الشارع التركي. ففي الأيام الأولى من الحرب كشف استطلاع أجرته شركة الأبحاث التركية جانار (GENAR) أن 11.7% من الأتراك يرون ضرورة دعم تركيا لإيران، مقابل 2.7% فقط يؤيدون دعم الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

وبعد نحو أسبوعين من استمرار الضربات، أظهر استطلاع لشركة متروبول (MetroPOLL) ارتفاع نسبة الداعين إلى دعم إيران في مواجهة الولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى 22.6%، في حين تراجعت نسبة المؤيدين لأميركا وإسرائيل إلى 2.1%.

دعم الوساطة والمساعي الدبلوماسية

يركز حوار الشارع التركي على تفعيل القنوات الدبلوماسية، والدعوة إلى تعزيز دور تركيا في الوساطة من أجل التوصل إلى حلول سلمية للأزمة. ويجسد هذا التوجه علي كورت في حديثه لـلميادين نت، إذ شدد على ضرورة محافظة تركيا على موقف متوازن، “مع عدم الانخراط في صراعات إقليمية تضرّ بالأمن القومي، إلى جانب الدفع بقوة نحو الحلول الدبلوماسية”.

ويتماهى الموقف الرسمي التركي إلى حد كبير مع هذا التوجه الشعبي، حيث تتبنى أنقرة خطاباً حذراً يقوم على التوازن بين حماية المصالح الوطنية وتجنب التصعيد. وتؤكد التصريحات الصادرة عن القيادة السياسية لا سيما الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، رفض الحلول العسكرية والدعوة إلى الحوار، مع التشديد على ضرورة احتواء الأزمة قبل اتساعها.

وفي هذا الإطار، تسعى تركيا إلى لعب دور الوسيط في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها المتشعبة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

الحرب خارج الحدود… لكن الفاتورة في الداخل

لا تُقرأ الحرب على إيران في المجتمع التركي بوصفها حدثاً خارجياً، بل كخطر يهدد الحياة اليومية المثقلة بالفعل من جرّاء التضخم والغلاء، وقد أظهرت التجارب السابقة أن الحروب في المنطقة لا تبقى خارج الحدود، بل سرعان ما تنتقل آثارها إلى الداخل، عبر الغلاء واضطراب الأسواق وتراجع الاستثمارات.

وتمثل حرب شباط/فبراير الأخيرة نموذجاً واضحاً على سرعة انعكاس الحروب الإقليمية على الداخل التركي، فقد صرّح محافظ البنك المركزي التركي فاتح كارخان، بعد نحو شهر من اندلاعها بأن “استمرار الحرب أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ما زاد من ضغوط التضخم وأثّر بشكل غير مباشر على الأسعار في مختلف القطاعات”. وبرغم الهدنة المعلنة منذ أسابيع، ما تزال تداعيات هذه الحرب ملموسة في الواقع المعيشي للأتراك.

فالرفض الواسع للحرب يعكس إدراكاً عميقاً لهذه الحقيقة، إذ يتقاطع الموقف السياسي مع شعور اجتماعي متنامٍ بأن أي تصعيد جديد في المنطقة سيتحول إلى عبء مباشر على الداخل التركي، في ظل قلق متزايد من دخول المنطقة مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.

وفي هذا السياق، يقول أحمد يلماز في حديثه لـلميادين نت: ” لا نريد أن نعيش أزمة ارتفاع أسعار جديدة بسبب الحرب، إن أي تصعيد بين إيران وأميركا وإسرائيل سيؤثر علينا اقتصادياً، في الوقت الذي نعاني فيه بالفعل من التضخم وارتفاع الأسعار”.

ويثير احتمال تراجع السياحة نتيجة التوترات قلقاً إضافياً، نظراً لأهمية هذا القطاع في دعم الاقتصاد التركي. وقد أشار وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري إرسوي خلال مؤتمر صحفي في أواخر نيسان/أبريل الماضي إلى التأثير السلبي لهذا الصراع على القطاع، قائلاً: “نرى أن الربع الثاني من العام سيكون صعباً للغاية، وستظهر خلاله آثار الحرب السلبية بشكل واضح”.

التخوف من اتساع الحرب وامتداد تداعياتها الأمنية

يتابع المواطن التركي تطورات الحرب على إيران بترقب يثقلُه سؤال ملح: هل يمكن أن تمتد هذه الحرب إلينا؟ هذا القلق الشعبي لا يرتبط فقط بالمخاوف الاقتصادية، بل يمتد إلى المشهد الأمني واحتمال تزعزع الاستقرار العام.

وينبع هذا الشعور من تجارب تراكمت خلال العقود الماضية، عايش فيها المجتمع التركي عن قرب تداعيات الصراعات في دول المنطقة لا سيما سوريا والعراق. ويعبر هذا الموقف عن رغبة في تجنب تكرار تلك التجارب، وما رافقها من آثار مثل موجات اللجوء والاضطرابات الأمنية.

أما السيناريو الأسوأ بالنسبة لكثير من الأتراك، فيتمثل في خروج الأزمة عن السيطرة، واتساع نطاق الحرب بحيث تشمل دولاً جديدة بما في ذلك تركيا، فالشارع التركي لا يرى الحرب صراعاً خارجيا فحسب، بل حدثاً قد يتحول في أي وقت إلى تهديد مباشر.

ويزداد هذا التخوف مع حساسية موقع البلاد، والحدود الممتدة مع إيران بطول يقارب 500 كيلومتر شرقاً، إلى جانب تعقّد المشهد الإقليمي وتداخل أزماته، وهي عوامل جميعها تُغذّي هذا الشعور.

ومع الرفض القاطع للحرب حتى بدون المشاركة فيها، يعتقد كثير من الأتراك أن البلاد لن تكون بمنأى عن تداعياتها. وبينما تحاول الدولة إدارة الأزمة عبر الدبلوماسية والتوازن، يظل الشارع أسير هاجس مؤرق: كيف يمكن تجنب تبعات حرب لم يخترها؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات