سودان تمورو
بينما تسعى القوى الكبرى للحفاظ على شعرة معاوية في الاتفاقات الهشة، تبرز تحركات إسرائيلية حثيثة لخلط الأوراق مجدداً؛ إذ يبدو أن دوائر صنع القرار في تل أبيب لم تعد تكتفي بمراقبة مسار التهدئة بين واشنطن وطهران، بل باتت تدفع بقوة نحو سيناريو “كسر العظم”. فبعد سلسلة من المناوشات في مضيق هرمز، يظهر التوجه الإسرائيلي الجديد بوضوح: إقناع البيت الأبيض بأن الطريق الوحيد لتركيع طهران يمر عبر تدمير شريان حياتها الاقتصادي، أي بنية الطاقة التحتية.
تنطلق الرؤية الإسرائيلية من قناعة مفادها أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، وأن استمرار التهدئة لن يحل الخلافات الجوهرية حول الملف النووي والصاروخي. لذا، تروج تل أبيب لسيناريو “الضربة الخاطفة”، مدعية أن تدمير منشآت الطاقة الإيرانية في غضون ۲۴ ساعة كفيل بشل قدرة الدولة على التصدير، مما يضع صانع القرار في طهران أمام خيارين أحلاهما مر: الانهيار الاقتصادي الشامل أو القبول بشروط واشنطن المجحفة.
هذا المخطط، الذي تصفه بعض التقارير العبرية بـ “إستراتيجية الدولة العاجزة”، يراهن على أن ضرب الموارد المالية سيؤدي حتماً إلى أزمات معيشية طاحنة تتبعها اضطرابات اجتماعية، مما يضعف النظام من الداخل أو يجبره على تقديم تنازلات كبيرة. إنها محاولة إسرائيلية لبيع الوهم لواشنطن بأن النصر الحاسم بات قاب قوسين أو أدنى، شريطة استهداف “القلب النفطي” لإيران.
لكن الحسابات على الورق تختلف تماماً عن الواقع في الميدان؛ فالعقبة الكأداء أمام هذا الطموح الإسرائيلي تكمن في “توازن الرعب” الذي تفرضه طهران. إن واشنطن تدرك جيداً أن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لن يمر دون رد صاعق يطال البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأسرها، كما حدث في دروس “حرب رمضان” السابقة. أي هجوم من هذا النوع قد يشعل أسعار النفط عالمياً ويؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات، وهو كابوس لا ترغب إدارة ترامب في مواجهته، خاصة مع اقتراب استحقاقات دولية حساسة وملفات شائكة مع الصين.
في نهاية المطاف، تجد واشنطن نفسها بين فكي كماشة: ضغوط حليفها الإسرائيلي الذي يدفع نحو التصعيد الشامل، والمخاوف الواقعية من رد فعل إيراني قد يحول أسواق الطاقة العالمية إلى ساحة حرب مفتوحة. ورغم محاولات تل أبيب المستمرة لتسويق “حرب البنية التحتية” كحل نهائي، يبدو أن البيت الأبيض لا يزال يخشى التورط في مغامرة غير محسومة العواقب قد تطيح باستقرار الاقتصاد العالمي قبل أن تحقق أهدافها السياسية.
