الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيصراع الهيمنة على القرن ال21!.. بقلم اماني عبدالرحمن

صراع الهيمنة على القرن ال21!.. بقلم اماني عبدالرحمن

سودان تمورو

لا يمكن النظر إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأميركي دونالد ترامب على أنه مجرد مواجهة تقليدية بين قوتين عظميين، بل هو في جوهره صدام تاريخي بين نموذجين متناقضين من الرأسمالية. ففي خندق، نقف أمام “الرأسمالية الأميركية”، وتحديداً في نسختها القومية المعاصرة؛ تلك الرأسمالية القائمة على حرية السوق، والنزعة المالية، والطموح التكنولوجي الجارف، والتي تتكئ أساساً على الشركات الخاصة، وهيمنة الدولار، والنزعة الاستهلاكية، مع حماية إستراتيجية للتفوق الأميركي. وفي الخندق المقابل، تبرز “الرأسمالية الصينية” كنموذج تقوده ثنائية “الحزب-الدولة”، حيث توظف الأسواق والشركات الخاصة والتصدير والتكنولوجيا والتجارة العالمية، لكنها تُخضع كل ذلك بصرامة للإستراتيجية الوطنية، والسياسة الصناعية، والسيطرة السياسية، وقوة الدولة على المدى الطويل.

إن هذا النموذج الذي يُعرف بـ “الرأسمالية الصينية” (Sino-capitalism)، يشير إلى نظام تعمل فيه منافسة السوق، وريادة الأعمال الخاصة، والتجارة العالمية، والابتكار التكنولوجي، تحت المظلة السلطوية للحزب والدولة. هو ليس اشتراكية بحتة، نظراً لما يضمه من قطاع خاص ضخم ومنافسة سوقية شرسة وتراكم للثروات الخاصة واندماج عميق في الرأسمالية العالمية؛ ولكنه في الوقت ذاته ليس رأسمالية ليبرالية غربية، لأن الحزب الشيوعي والدولة يحتفظان بسيطرة حاسمة على القطاعات الإستراتيجية والنظام المالي والأراضي والبيانات والبنية التحتية، بل وعلى التوجه العام للتنمية الاقتصادية. هذا المفهوم، الذي أدخله الباحث كريستوفر مكنالي إلى الأدبيات الأكاديمية عام 2012، يكتسب أهميته من كون الاقتصاد الصيني يرفض الانضواء تحت الثنائية الكلاسيكية القديمة للرأسمالية والاشتراكية. فمنذ أواخر السبعينيات (عصر الإصلاحات)، اتخذت الصين من الأسواق أداة للتنمية، بيد أن الدولة لم تنسحب من المشهد، بل أعادت هيكلة دورها، لتتوسع الأسواق بينما تظل “مرتفعات القيادة” الاقتصادية -من بنوك وطاقة واتصالات ونقل وصناعات دفاعية- في قبضة الدولة الحديدية.

وتتضح المفارقة الجوهرية عند مقارنة هذا النموذج بالرأسمالية الغربية، وخاصة الأنجلو-أميركية، حيث يُعد السوق مجالاً مستقلاً نسبياً، تكتفي فيه الدولة بالتشريع وحماية حقوق الملكية والتدخل عند الضرورة، بينما يتشكل التنسيق الاقتصادي عبر الشركات الخاصة ومطالب المستهلكين، وتُعد الربحية وقيمة الأسهم المبدأين الأساسيين. أما في الصين، فإن السوق قوي ولكنه “تابع”؛ فالحزب يسمح بالمنافسة لأنها تولد النمو والابتكار والوظائف، ولكنه يتدخل بحسم متى ما هددت قوى السوق السلطة السياسية أو الاستقرار المالي أو الأولويات الوطنية. نحن إذن لسنا أمام معركة بين الرأسمالية والاشتراكية، بل أمام مواجهة بين “رأسمالية ليبرالية” تظللها الهيمنة الأميركية، و”رأسمالية تتمحور حول الدولة” يقودها الحزب الشيوعي الصيني. ويمثل ترامب هنا النسخة الأكثر قومية وحمائية وبراغماتية من الرأسمالية الأميركية، في حين يجسد شي النسخة المنضبطة والإستراتيجية والمرتكزة على الدولة من الرأسمالية الصينية.

وتنعكس هذه الاختلافات بوضوح في الملامح الرئيسية للرأسمالية الصينية؛ ففي القطاع المالي، توجّه البنوك الحكومية الائتمان نحو الأولويات الوطنية، مما أتاح بناء بنية تحتية سريعة وشبكات قطارات فائقة السرعة، فضلاً عن الريادة في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، وإن كان ذلك مصحوباً بتحديات كأزمة الديون وفقاعة العقارات. فالتنمية في بكين ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل هي مشروع سياسي يهدف إلى تقوية الأمة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والحفاظ على شرعية الحزب ومكانة الصين العالمية. وقد تطورت قطاعات حيوية كالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمنصات الرقمية عبر مزيج فريد يجمع بين ريادة الأعمال الخاصة والدعم الحكومي السخي والتخطيط طويل الأمد. وبالمقارنة مع النموذج الأوروبي (كما في ألمانيا وفرنسا) حيث تلعب الدولة دوراً قوياً ولكن ضمن أطر ديمقراطية وقيود مؤسسية، تبدو الرأسمالية الصينية هرمية وسياسية بامتياز، وتخضع للسيادة المطلقة للحزب الشيوعي.

وتكمن المفارقة الكبرى في هذا النموذج في أن الصين تحولت إلى دولة رأسمالية بعمق، دون أن تتحول إلى الليبرالية سياسياً. هذه التجربة نسفت الفرضية الأساسية لـ “نظرية التحديث” التي طالما بشرت بأن رأسمالية السوق تقود حتماً إلى الديمقراطية الليبرالية، وأثبتت أن الرأسمالية يمكن أن تتعايش وتزدهر في كنف السلطوية والرقابة الحزبية والاندماج في الاقتصاد العالمي، وأن العولمة لا تؤدي بالضرورة إلى “التغريب”.

في النهاية، يجب أن ندرك جيداً أن هذا الصدام لا يقتصر على الرسوم الجمركية أو العجز التجاري أو تايوان أو التكنولوجيا؛ بل هو صراع وجودي على صياغة قواعد الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين، لتحديد أي النموذجين سيسود ويحكم العالم: نموذج أميركي تقوده الأسواق ويهيمن عليه الدولار، أم نموذج صيني توجهه الدولة وتدفعه حضارة بأكملها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات