الجمعة, مايو 15, 2026
الرئيسيةمقالات الرأينعش البترودولار!.. بقلم لطفي الشناوي

نعش البترودولار!.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو:

في الرابع عشر من فبراير عام 1945، وعلى متن الطراد الأمريكي “يو إس إس كوينسي”، أُرسيت القواعد الخفية للهيمنة الأمريكية العالمية عبر اتفاق تاريخي بين الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود. كانت المعادلة حينها بسيطة بقدر ما كانت حاسمة: النفط مقابل الدولار، والدولار مقابل الحماية الأمنية. لقد رسم هذا التفاهم، الذي عُرف لاحقاً بنظام “البترودولار”، الهندسة المالية للعالم بأسره لثمانية عقود متتالية. ولم تكن قوة هذا النظام لتتجلى بأوضح صورها إلا في عام 1971، حينما أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب لتنهار اتفاقية “بريتون وودز”. في تلك اللحظة الفارقة، كان “البترودولار” هو طوق النجاة الذي انتشل الهيمنة الأمريكية من الغرق، ليُحكم على العالم أجمع بتسوية معاملاته النفطية بالورقة الخضراء. ومنذ منتصف السبعينيات، اكتملت الدورة المالية بعودة العوائد النفطية الخليجية لتُضخ في شرايين “وول ستريت” وسندات الخزانة الأمريكية، في هيكلية أطلق عليها الاقتصاديون وصف “الامتياز المفرط”.

لكن هذا البنيان الشاهق يتصدع اليوم، وبشكل متزامن، تحت ضربات زلزال جيوسياسي ثلاثي الأبعاد. أولى هذه الضربات جاءت من حيث اعتقدت واشنطن أنها تُحكم الخناق؛ فالعقوبات المفروضة على روسيا ارتدت عكسياً لتشكل طعنة في قلب الدولار. لقد صدرت موسكو في عام 2024 ما قيمته 130 مليار دولار من الطاقة إلى الصين وحدها، في حين قفز حجم التبادل التجاري الإجمالي بين البلدين إلى نحو 245 مليار دولار، نُفذت بالكامل بالعملات المحلية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تضاعفت التجارة الروسية مع الهند سبع مرات خلال خمس سنوات، متجاوزة حاجز الـ 90% بالعملات الوطنية، ليجد العالم نفسه أمام واقع جديد يتمثل في أن أكبر مُصدّر للطاقة في العالم يمارس تجارته خارج عباءة الدولار.

أما الضربة الثانية، فجاءت من مسقط رأس “البترودولار” ذاته. فالرياض، بإعلانها الانفتاح على تسعير مبيعاتها النفطية للصين بـ “اليوان”، وانخراطها في مشروع العملة الرقمية “إم بريدج” الذي يلتف على نظام “سويفت” المالي، تكون قد سددت ضربة استراتيجية من داخل غرفة عمليات النظام المالي الأمريكي، معلنة تآكل الثقة في المعمار القديم وتضعيفه من الصميم.

غير أن الضربة الثالثة، ولعلها القاضية، تتجسد في ورقة مضيق هرمز والقدرة الإيرانية على إغلاقه أو التحكم فيه. هذا الشريان المائي الذي يمر عبره خُمس نفط العالم، لم يعد يمثل مجرد ممر جغرافي أو قلعة حصينة للبترودولار، بل تحول إلى أداة ضغط استراتيجية. إن تحكم طهران في هذا الممر الحيوي يصوب سلاحه مباشرة نحو أسعار الطاقة العالمية وحجم الطلب على الدولار؛ فحينما يُصبح تداول النفط ممكناً ومتاحاً بغير العملة الأمريكية، فإن العودة إلى احتكار الدولار تصبح ضرباً من المستحيل ولن تكون خياراً بديهياً كما كانت في الماضي.

المحصلة النهائية لهذا المشهد العاصف هي أن احتكار “البترودولار” قد كُسر، والتاريخ يخبرنا أن الاحتكارات العظمى إذا تحطمت لا تعود أبداً إلى سابق عهدها. لقد تهاوت الضمانات الأمنية الأمريكية التي استمرت لثمانين عاماً في الخليج، وتراجعت التبعية للدولار لصالح مسارات بديلة. إن عالم الطاقة يتجه اليوم بخطى متسارعة نحو نظام تقوده سلة من العملات الوطنية و”البترويوان”، وفي قلب هذا الزلزال تقف إيران، عاقدة العزم على تفكيك أسطورة القطب الأوحد، في مشهد يؤكد أن فصولاً أشد إثارة في هذه المعركة لم تُكتب بعد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات