سودان تمورو:
إن أحد الأسباب الجوهرية التي أدت إلى اندلاع ما يمكن تسميته بـ “الحرب الثانية” بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يكمن في إخفاق “الحرب الأولى” في حسم معادلة “المنتصر والمهزوم” أو رسم معالمها بشكل جلي ينهي حالة اللايقين.
فمن المنظور الأميركي، يتجسد النصر المطلق إما في استسلام طهران التام، أو في إحداث تغيير جذري يقود إلى إسقاط النظام. أما من المنظور الإيراني، فإن النصر يحمل دلالات مغايرة تماماً؛ إذ يتبلور في إفشال المساعي الأميركية الرامية لتحقيق أهدافها، وضمان البقاء، والحفاظ على قوة الردع، ووضع حد نهائي ومستدام لأي عدوان.
هذا التباين الجذري والعميق في تعريف مفهوم “الانتصار” هو ما حوّل الأزمة من مجرد خلاف سياسي إلى دوامة استنزاف مستمرة. فبالنسبة لواشنطن، لا يتحقق النصر إلا بتعديل إيران لسلوكها الإقليمي والاستراتيجي، أو بتعرضها لاستحالة سياسية وتغيير من الداخل. وفي المقابل، ترى طهران في صمودها وإحباطها للمخططات الأميركية علامات النصر الأهم.
وقد أدى هذا الشرخ في الرؤى، مصحوباً باختلال موازين القوى، إلى زج هذا النزاع في أتون “مباراة صفرية” بحتة؛ حيث يُنظر إلى أي مكسب يحققه أحد الطرفين على أنه تراجع وخسارة حتمية للطرف الآخر. وفي ظل هذه المعطيات المعقدة، يبدو التوصل إلى اتفاق مستدام أمراً بالغ الصعوبة، إذ يرى كلا الطرفين أن فاتورة المواجهة المفتوحة لا تزال أقل كلفة من تقديم تنازلات أو مصالحات استراتيجية جوهرية.
وعليه، يمكن القول إنه ما دام منطق “المنتصر والمهزوم” هو الحاكم الأوحد لمسار هذه العلاقات المتأزمة، فلن تشهد الأزمة نهاية فعلية، ولن يرى أي اتفاق دائم النور؛ بل إن أي وقف لإطلاق النار لن يكون سوى مجرد استراحة محارب، أو وقفة قصيرة تفصل بين جولات صراع متجددة لا محالة.
