الجمعة, مايو 15, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف أعاد حزب الله هندسة الميدان أمام الترسانة الإسرائيلية؟.. بقلم رعد الناصري

كيف أعاد حزب الله هندسة الميدان أمام الترسانة الإسرائيلية؟.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو:

لم يعد اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 16 أبريل في جنوب لبنان سوى لافتة سياسية باهتة لا وزن لها في حسابات الميدان؛ فالواقع اليوم يُكتب بإيقاع النيران لا ببنود التسويات. في الجغرافيا المشتعلة الممتدة من نهر الليطاني وحتى أعماق الجليل، تتلاشى خطوط السيطرة التقليدية تحت وطأة القصف المتبادل، لتتحول هذه الرقعة إلى مسرح مفتوح لاختبار توازنات القوى وحدودها القصوى. وفي هذا السياق، تسعى إسرائيل، معتمدة على استراتيجية التشتيت النيراني الكثيف والضربات الاستباقية، إلى فرض واقع أمني جديد يمنع خصمها من إعادة التموضع، حيث باتت تدير نيرانها على نحو 60 بلدة وقرية ضمن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، متوغلة بالنار حتى عمق 10 إلى 12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية؛ غير أن هذا الاستعراض للقوة لا يمر دون أثمان باهظة.

وأمام هذه المظلة النيرانية الإسرائيلية الهائلة، تكشف المعطيات الميدانية أن حزب الله لم يكتفِ بامتصاص الصدمة، بل حافظ على مرونة عملياتية عالية، متكئاً على إعادة توزيع مهامه القتالية ضمن هيكل هرمي متعدد الطبقات، وتحديداً في جنوب الليطاني، مما يتيح له الاستمرار في توجيه الضربات رغم الاستهداف الكثيف. بيد أن التحول النوعي والأخطر في هذه الحرب غير المتماثلة يتمثل في إدخال الطائرات المسيرة الانتحارية الموجهة بتقنية الألياف البصرية (FPV) إلى ساحة المعركة. هذه التقنية، التي تعتمد على كابل يربط المسيرة مباشرة بمشغلها، منحت الحزب حصانة شبه مطلقة ضد منظومات التشويش الإلكتروني الإسرائيلية المتقدمة، ووفرت قدرة استثنائية على التوجيه الدقيق حتى لحظة الارتطام، مع إبقاء موقع المشغل مخفياً تماماً عن رادارات الاستطلاع.

لقد باتت هذه “المسيرات الشبحية” تحلق في مستويات منخفضة للغاية، متسللة تحت مستوى الأشجار أو بين أسطح المنازل، مما يجعل اكتشافها عبر الرادارات التقليدية ضرباً من المستحيل. وإزاء صغر حجمها وبصمتها الحرارية شبه المعدومة، تراجعت فعالية أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية بشكل ملحوظ في البيئة الجغرافية المعقدة لجنوب لبنان. هذا التطور الميداني أجبر وحدات الجيش الإسرائيلي على تغيير تكتيكاتها جذرياً، حيث باتت تتجنب الانتشار المفتوح لفترات طويلة، ولجأت بعض القوات إلى تدابير ميدانية بدائية إلى حد ما، كتركيب شباك حديدية على الآليات العسكرية أو إقامة سواتر مؤقتة، في محاولة يائسة لاصطياد هذه المسيرات قبل بلوغها أهدافها.

وتعد عملية “شوميرا” التي نُفذت في 30 أبريل الماضي تجسيداً صارخاً لهذا التحول الاستراتيجي؛ إذ لم تكتفِ المسيرة التي ضربت هدفاً عسكرياً في الجليل الغربي بإصابة موقعها، بل أحدثت انفجاراً ثانوياً مدمراً للذخائر داخل القاعدة، مما أسفر عن تدمير واسع لبطارية مدفعية، واشتعال حريق ضخم، وسقوط قتيل و12 جريحاً في صفوف الجيش الإسرائيلي. وبموازاة ذلك، وظف الحزب أسراباً من طائرات الاستطلاع الصغيرة التي تحلق باستمرار لتحديث بنك الأهداف لحظياً، صانعاً ما يمكن تسميته بـ”دورة النار المغلقة”، وهو ما قلص هامش المناورة للقوات الإسرائيلية. ترافق ذلك مع اعتماد تكتيك “الإشباع بالمسيرات” عبر إطلاق طائرات عدة من زوايا مختلفة لإرباك القبة الحديدية، فارضاً بذلك معادلة استنزاف قاسية تضع مسيرات منخفضة التكلفة في مواجهة منظومات دفاعية باهظة الثمن.

في المحصلة، لقد انزلقت الجبهة الجنوبية عملياً إلى أتون حرب استنزاف مفتوحة لا يملك فيها أي طرف عصا سحرية لحسم المعركة أو فرض معادلة نهائية. ففي حين تظل إسرائيل، رغم تفوقها الجوي الساحق وكثافة نيرانها، أسيرة لحسابات ميدانية تكبل قدرتها على الحسم السريع، يثبت حزب الله قدرة فائقة على التكيف العملياتي، مبرهناً على أن الترسانات العسكرية الضخمة تقف أحياناً عاجزة أمام تكتيكات مرنة وخيوط رفيعة من الألياف البصرية تعيد هندسة الميدان بأسره.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات