سودان تمورو
في 29 نوفمبر 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. كان هذا القرار ثمرة مباشرة لسياسة بريطانيا خلال 30 سنة من الانتداب 1917-1948.
أهم المحطات قبل الانسحاب:
– وعد بلفور 1917: رسالة وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور تعهد فيها بإقامة “وطن قومي لليهود في فلسطين”. كانت بريطانيا حينها تحتل فلسطين عسكرياً، فحولت الوعد إلى سياسة رسمية.
– *الانتداب البريطاني 1922: شرعنته عصبة الأمم. استخدمت بريطانيا سلطتها لتسهيل الهجرة اليهودية المنظمة وتسليح المنظمات الصهيونية، بينما قمعت الثورات الفلسطينية: ثورة 1929، الثورة الكبرى 1936-1939.
– الكتاب الأبيض 1939: محاولة بريطانية متأخرة للتراجع بعد اشتعال الثورة، لكنه لم ينفذ فعلياً. استمرت الهجرة غير الشرعية وتسليح الهاجاناه.
عندما أرهقت بريطانيا عسكرياً واقتصادياً بعد الحرب العالمية الثانية، أعلنت في فبراير 1947 عجزها عن إدارة فلسطين وأحالت القضية للأمم المتحدة. في 15 مايو 1948 أنهت الانتداب وانسحبت، تاركة بنية تحتية عسكرية وأرضاً جرى تهجير أهلها منها بالقوة.
المسؤولية البريطانية هنا ثلاثية:
- سياسية : مهدت للوجود الصهيوني عبر وعد بلفور ومنحته الشرعية الدولية.
- قانونية : انتهكت التزاماتها كدولة منتدبة بموجب ميثاق عصبة الأمم، الذي نص على إدارة فلسطين لصالح أهلها الأصليين حتى الاستقلال.
- أخلاقية : سلمت شعباً أعزل لعصابات مسلحة دربها جيشها نفسه، ثم انسحبت دون ضمان لحماية السكان.
- قيام الكيان الصهيوني ونكبة 1948
في 14 مايو 1948 أعلنت الوكالة اليهودية قيام “دولة إسرائيل”. دخلت الجيوش العربية بعد يوم واحد، لكنها كانت بلا تنسيق وتسليح محدود.
نتيجة الحرب:
– تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني.
– تدمير أكثر من 530 قرية ومدينة.
– احتلال 78% من مساحة فلسطين التاريخية.
النكبة لم تكن حدثاً عسكرياً فقط، بل مشروع تطهير عرقي مخط له مسبقاً، استخدمت فيه منظمات الهاجاناه، الإرجون، وشتيرن المجازر لإفراغ الأرض، كما حدث في دير ياسين، الطنطورة، صفد.
- محطات رئيسية في مسيرة المقاومة الفلسطينية
المقاومة لم تتوقف منذ 1917، لكنها مرت بأطوار:
المرحلة الأولى: المقاومة الشعبية 1920-1948
ثورة البراق 1929، الثورة الكبرى 1936-1939 بقيادة عز الدين القسام، كانت انتفاضة شاملة ضد الاستيطان والانتداب. قمعتها بريطانيا بقسوة: إعدامات، هدم بيوت، اعتقالات جماعية.
المرحلة الثانية : العمل الفدائي 1965-1987
بعد النكسة 1967 وتأسيس منظمة التحرير، انطلقت عمليات الفدائيين من لبنان والأردن. معركة الكرامة 1968 كسرت صورة “الجيش الذي لا يقهر”.
المرحلة الثالثة: الانتفاضات الشعبية
– الانتفاضة الأولى 1987-1993: حرب حجارة أجبرت الاحتلال على الجلوس للتفاوض.
– الانتفاضة الثانية 2000-2005: اندلعت بعد اقتحام شارون للأقصى، وأدخلت المقاومة المسلحة المنظمة إلى العمق.
– جولات غزة 2008-2021: تطورت فيها القدرة الصاروخية والدفاعية، وفرضت معادلات ردع جديدة.
– طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023: نقل المعركة إلى داخل الغلاف، وكسر نظرية الأمن الإسرائيلية.
- هل يمكن لاستمرار الاحتلال؟ إلى متى؟
الكيان الصهيوني قام كمشروع استعمار وظيفي لحماية مصالح الغرب في المنطقة. استمراره مرهون بثلاثة عوامل:
- الدعم الأمريكي والغربي: مالي، عسكري، دبلوماسي. أي تراجع فيه يحدث خللاً استراتيجياً.
- غياب وحدة المشروع الوطني الفلسطيني والعربي: الانقسام والتطبيع أطالا عمر الاحتلال.
- العامل الديمغرافي والجغرافي: الفلسطينيون أصبحوا أغلبية بين النهر والبحر، والأرض لا يمكن ابتلاعها دون السكان.
تاريخياً، مشاريع الاستيطان الكولونيالي التي تعتمد على التفوق العسكري فقط تنهار عندما تفقد شرعيتها الدولية وتتكبد كلفة أمنية واقتصادية لا تحتمل. الجزائر، جنوب أفريقيا، فيتنام أمثلة على ذلك.
- متى تكلل جهود المقاومين بالنصر؟
النصر لا يقاس بمعركة واحدة، بل بتغير موازين القوة والوعي. المؤشرات الحالية:
– فشل مشروع التصفية: لم ينجح الاحتلال في كسر إرادة غزة رغم 4 حروب مدمرة.
– أزمة المشروع الصهيوني داخلياً: هجرة عكسية، انقسام سياسي، عزلة أكاديمية وثقافية متزايدة.
– صعود محور المقاومة إقليمياً: لم تعد غزة وحدها.
– انهيار السردية الإسرائيلية عالمياً: رأي عام عالمي شاب يرى القضية قضية استعمار وعنصرية.
ما بني على باطل لا يدوم. بريطانيا زرعت البذرة، لكن استمرارها مرهون ببقاء الخلل الدولي. مع تغير موازين القوة وتصاعد المقاومة بكل أشكالها، فإن المسار التاريخي يميل لصالح أصحاب الأرض. المقاومة الفلسطينية أثبتت أنها مشروع ممتد لا يموت باغتيال قائد أو تدمير حي. كل جولة ترفع سقف الكلفة على الاحتلال وتقرب لحظة الانهيار.
