سودان تمورو:
في خضم القراءات المتأنية لتجليات حرب الأربعين يوماً واستشراف مآلات مرحلتها التالية، تبرز حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها للمراقب المدقق: طهران تقف اليوم على أرض صلبة، ممسكة بزمام المبادرة واليد العليا في المعركة القادمة. ولفهم هذه المعادلة المعقدة بعيداً عن السرديات السطحية، يتحتم علينا تفكيك المشهد عبر ثلاث طبقات متداخلة ترسم في مجملها ملامح النظام العالمي الجديد الذي يتشكل الآن.
على الصعيد الميداني، نجحت إيران خلال الأيام الأربعين الماضية في ترسيخ نموذج “دفاعي-هجومي” أثبت نجاعته البالغة. فقد تمكنت، عبر استراتيجية الردع النشط وإدارة الأزمات، من تحييد النيران عن حدودها وحفظ استقرارها الداخلي. وفي ساحة الوغى، خضعت ترسانتها من الطائرات المسيرة المتطورة والصواريخ الباليستية والمجنحة، فضلاً عن منظومات الدفاع الجوي، لاختبار حقيقي وقاسٍ، لتثبت فاعليتها في وجه قوة جوية معادية لا نظير لها عالمياً. بيد أن بيت القصيد هنا لا يكمن فيما رأيناه، بل فيما خُفي؛ إذ لا تزال طهران تحتفظ بأوراق لعب استراتيجية لم تكشف عنها بعد، تاركةً الخصم يتخبط في ضبابية مرعبة من عدم اليقين.
ولا يتوقف الإخفاق الأمريكي عند حدود الميدان، بل يمتد ليلقي بظلاله القاتمة على الساحة الدبلوماسية. فمحاولات الرئيس دونالد ترامب لحشد إجماع عربي وتدويل ما أسماه “التهديد في الممرات المائية” عبر تمرير مشروع قراره في مجلس الأمن، اصطدمت بجدار صلب. الرئاسة الدورية للصين والتلويح بورقة الفيتو أجهضا المشروع في مهده، ليخرج ترامب خالي الوفاض، عاجزاً عن تحقيق أي اختراق دبلوماسي أو حتى استعادة الاصطفاف الأوروبي خلفه. ومما يزيد الطين بلة بالنسبة للساكن في البيت الأبيض، تصاعد وتيرة الاضطرابات الداخلية في الولايات المتحدة وتآكل شعبية الحزب الجمهوري، مما يضعف موقفه التفاوضي والسياسي بشكل غير مسبوق.
ولعل البعد الأعمق والأكثر خطورة في هذه المواجهة يتجلى في البُعد الجيواقتصادي؛ فبإغلاق مضيق هرمز واشتراط التعامل بالعملات الوطنية للمرور عبره، لم تستهدف طهران مجرد ممر مائي عابر، بل طعنت “هیمنة البترودولار” في مقتل. هذه الدورة المالية التي شكلت منذ عام 1945 الرئة التي تتنفس منها واشنطن، باتت اليوم تحت تهديد وجودي، وهو تهديد من الخطورة بمكان إلى الحد الذي يجعل أمريكا تنفق تريليون دولار سنوياً على البنتاغون لحمايته. من هنا، يمكن الجزم بأن الاحتياطي الفيدرالي والبنتاغون لن يبتلعا غصة إغلاق هرمز طويلاً، مما يجعل احتمالية تجدد التصعيد العسكري واردة بشدة.
خلاصة القول، إن التفوق الإيراني الاستراتيجي قبيل المرحلة الثانية من النفرة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تضافر الردع الميداني النشط، والمأزق الدبلوماسي والداخلي لترامب، والضربة الهيكلية العميقة لعرش الدولار. وبينما يدرك الجميع أن ترامب لا يملك ترف التراجع دون فك عقدة هرمز، فإن الحقيقة الساطعة اليوم هي أن طهران، وليس البيت الأبيض، هي من يمتلك حق النقض، وهي من يحدد شروط اللعبة.
