سودان تمورو:
في دهاليز السياسة المعتمة، وحيث تتقاطع لغة الدبلوماسية مع هدير المدافع، تبدو المنطقة وكأنها تحبس أنفاسها استعداداً لفصل جديد من فصول التصعيد المحموم. فبالرغم من الحركة الدؤوبة لوسطاء الأزمات والرسائل المتبادلة في الغرف المغلقة، إلا أن قطار المفاوضات قد اصطدم بجدار انسداد الأفق بشكل كامل. وفي خضم هذا العقم الدبلوماسي، تتزايد المؤشرات التي تتقاطع في عواصم القرار، لتؤكد أن واشنطن ربما قررت اللجوء إلى خيار خشن لكسر هذا الجمود، عبر توجيه ضربة عسكرية محدودة ولكنها شديدة التأثير، مما يرفع أسهم احتمالية اندلاع شرارة الاشتباك في غضون الأيام القليلة المقبلة.
على الضفة الأخرى، لم تعد طهران تقرأ المشهد بنظارات الترقب، بل حسمت أمرها في أروقة صنع القرار بأن المواجهة القادمة باتت قدراً محتوماً وقاب قوسيْن أو أدنى من الوقوع. هذا اليقين الاستراتيجي دفع القيادة الإيرانية إلى إعادة هيكلة أوراقها الهجومية وتحديث “بنك أهدافها”، استعداداً لتوجيه ضربة ارتدادية تستهدف إحداث صدمة عنيفة وموجعة للخصم، تعيد إلى الأذهان تلك الصدمة المدوية التي طبعت الأيام الأولى من “حرب رمضان”. إنها استراتيجية قائمة على تلقف الضربة الأولى ثم الرد بما يتجاوز خطوط التوقع.
وفي ظل هذه الحسابات المعقدة، تبرز احتمالات اللجوء إلى خيارات متهورة وعالية المخاطر من قِبل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. فهناك تسريبات وتقديرات تشير إلى رغبة محمومة في تحقيق نصر خاطف وسريع، عبر استهداف عصب الحياة الإيراني المتمثل في البنية التحتية للطاقة، أو تنفيذ عمليات نوعية دقيقة، بل ولا يُستبعد التلويح باستخدام أسلحة نووية تكتيكية. الهدف هنا واضح ومباشر؛ وهو إلحاق أكبر قدر ممكن من الألم في أقصر مدى زمني ممكن، لإجبار صانع القرار الإيراني على التراجع والانكفاء السياسي. ورغم أن الموجة الأولى من هذا الهجوم المحتمل قد تحمل في طياتها عمليات اغتيال تطال رؤوساً سياسية وعسكرية وازنة، إلا أن عامل المفاجأة الاستراتيجية قد تآكل، ولن نشهد تكراراً لسيناريو الاغتيالات الجماعية المباغتة التي ميزت بدايات الحروب السابقة.
وسط هذا النذر المتصاعد، تحاول العواصم العربية المحاذية لخط النار، وتحديداً الرياض والدوحة ومسقط، ممارسة أقصى درجات النأي بالنفس والانسحاب الكامل من دائرة الاستهداف التكتيكي والاستراتيجي. وقد شهدت الكواليس تبادلاً حثيثاً للرسائل لضمان تحييد هذه العواصم، إلا أن استبعاد المنشآت السعودية أو غيرها من القائمة الإيرانية الحمراء يظل مرهوناً بخيط رفيع؛ فإذا ما طالت النيران الأمريكية أو الإسرائيلية شرايين الطاقة الإيرانية، فإن طهران ستجد نفسها مدفوعة، وبحكم الضرورة الاستراتيجية، لوضع منشآت الطاقة في الضفة الأخرى من الخليج في صدارة أهدافها.
ولعل التحول الأبرز في العقيدة القتالية الإيرانية في هذه الجولة المرتقبة، هو إعادة ضبط بوصلة الاستهداف. فخلافاً لما آلت إليه الأمور في حروب سابقة، ستضع إيران ثقلها النيراني هذه المرة باتجاه إسرائيل، لتتصدر تل أبيب قائمة الأولويات الهجومية بلا منازع. ولا يتوقف بنك الأهداف الإيراني عند حدود الجغرافيا الفلسطينية المحتلة، بل يمتد ليشمل أهدافاً استراتيجية داخل كل من الإمارات والكويت والبحرين كأولويات خليجية متقدمة. وفي نهاية المطاف، ستبقى الرياض والدوحة في دائرة الاحتمالات المفتوحة، رهن الإيقاع الذي ستفرضه واشنطن وتل أبيب، في حربٍ يبدو أن شرارتها الأولى ستُشعل حريقاً لن يكون من السهل التحكم في مسارات إخماده.
