سودان تمورو
لم تكن زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين في منتصف مايو 2026 مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل مثّلت نقطة انعطاف تكتيكية في مسار العلاقات المعقدة بين القوتين الأعظم، ودرساً بليغاً في فن إدارة الدبلوماسية القائمة على الصفقات. فقد هبط ترامب في بكين مثقلاً بعواصف جيوسياسية تضرب الشرق الأوسط، وتقلبات حادة في أسواق الطاقة، وتضخم داخلي يتجاوز حاجز الـ 7%، باحثاً بلهفة عن إنجاز سياسي سريع. وفي المقابل، ببراغماتية استثنائية، أدركت القيادة الصينية هذا المأزق الإستراتيجي، لتنجح في بيع “الاستقرار” لواشنطن، ليس كمنحة مجانية، بل كسلعة باهظة الثمن، مؤسسةً بذلك هندسة سياسية قوامها الغموض البناء الذي يفتح نوافذ الفرص أمام الصين للمضي قدماً في أهدافها الكبرى دون دفع أي فواتير هيكلية موجعة.
لقد كانت الغنيمة الأكبر التي اقتنصتها بكين من هذا اللقاء هي “الفُسحة الإستراتيجية” وكسب الوقت الذهبي؛ فبينما تتشتت موارد واشنطن في إدارة أزماتها العالمية، نجحت الصين في تجميد أي ضغوط هيكلية أو حروب تعريفات جديدة. هذا الهدوء التكتيكي يمنح التنين الصيني أريحية كاملة لتسريع سياساته الصناعية، وتوسيع هيمنته على سلاسل توريد بطاريات الليثيوم والسيارات الكهربائية التي تستحوذ بكين على أكثر من 70% من سوقها العالمي، فضلاً عن تعزيز برنامجها الطموح “للاكتفاء الذاتي التكنولوجي 2026-2030. ومن خلال استغلال حاجة ترامب الماسة لانتصارات ترويجية تسبق انتخابات التجديد النصفي، مررت بكين رسالة مفادها أن استمرار الاعتماد الاقتصادي المتبادل، الذي يستند إلى حجم تجارة سنوية يتجاوز 570 مليار دولار، هو الخيار الأكثر عقلانية. وفي لعبة الشطرنج الاقتصادية هذه، أدخلت الصين المفاوض الأميركي في متاهة من الوعود الفضفاضة، كإبداء النية لشراء 200 طائرة بوينغ بقيمة تقارب 22 مليار دولار، ووعود شفهية باستيراد منتجات زراعية بقيمة تتراوح بين 35 و 40 مليار دولار، دون أي التزامات قانونية صارمة، مما أخرج سلاح زيادة الرسوم الجمركية من دائرة التهديد الفعلي.
ولم يتوقف الدهاء الصيني عند حدود التجارة، بل امتد لانتزاع نصر مفاهيمي في ميدان التكنولوجيا المعقد؛ حيث أسفرت التفاهمات عن تخفيف قيود التصدير الأميركية، والسماح ببيع رقائق متطورة، مما منح بكين وقتاً ثميناً لضخ حزمة تمويلية ضخمة تبلغ نحو 47 مليار دولار في صندوقها الوطني لأشباه الموصلات. وترافق هذا الاختراق الاقتصادي مع تحولات جيوسياسية عميقة وهادئة، تجلت في التوظيف الأميركي لبكين كوسيط لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز وإدارة التوترات في الشرق الأوسط، وهو ما ارتقى بمكانة الصين من مجرد عملاق اقتصادي إلى صانع أمن إقليمي. والأهم من ذلك، التغير الصامت في موازين القوى حول تايوان، حيث أدت مقاربة ترامب النفعية وتلويحه بوقف صفقات تسليح لتايبيه تتراوح قيمتها بين 11 و 14 مليار دولار، إلى تغليب كفة الغموض الإستراتيجي لصالح بكين. وفي المحصلة، استثمرت الصين في التلويح الأميركي بفرض رسوم جمركية بنسبة 20% على الحلفاء قبل الخصوم، لتقدم نفسها كشريك أكثر عقلانية وموثوقية لأوروبا ودول الجنوب العالمي، لتثبت هذه القمة أن الإدارة الذكية للوقت والغموض، في عصر صراع القوى الكبرى، تمثل السلاح الأمضى والأكثر فاعلية من أي معاهدات مكتوبة.
