الإثنين, مايو 18, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارقتلة الأمس.. ضيوف شرف اليوم ..حيدر المكاشفي

قتلة الأمس.. ضيوف شرف اليوم ..حيدر المكاشفي

سودان تمورو

في سودان حكومة الأمر الواقع لم تعد المشكلة في غياب العدالة بل في وجود نسخة مشوهة منها، نسخة تجعل المواطن يحدق مذهولاً وهو يرى القاتل يخرج من الباب الأمامي مكرماً، بينما يسحب الضحية من الباب الخلفي إلى منصة الإعدام. البلد اليوم صار كأنه يدار بمنطق العصابات لا بمنطق الدولة. فمن حمل السلاح ونهب البيوت وروع المدنيين وأدار اقتصاد السلب والاغتصاب والحرق، يمكنه في لحظة ما أن يعود إلى (حضن الوطن) وسط التصفيق والاحتفاء والابتسامات العريضة وكأن كل ما حدث كان مجرد سوء تفاهم عائلي في مناسبة اجتماعية. أما المواطن الذي بقي في بيته لأن أمه عجوز أو لأن أطفاله لم يجدوا طريقاً للنزوح، أو لأن الفقر كان يكبله ويقعده، فهذا مطلوب منه أن يثبت براءته من الجغرافيا نفسها. فوجوده في منطقة سيطر عليها الدعم السريع صار جريمة محتملة، بينما قيادة الدعم السريع نفسها يمكن أن تتحول إلى (شريك) أو (وطني غيور) أو (ابن بلد عاد لرشده.(. فيا لها من عبقرية قانونية.. في أي كتاب عدالة في العالم يمكن تفسير هذا المشهد.. رجل متهم بقيادة تشكيلات مارست القتل والنهب والاغتصاب والتدمير، يعود محاطاً بالحراسة والسيارات الفارهة والاستقبالات الرسمية، بينما شاب بسيط قد يقاد إلى حبل المشنقة لأنه اضطر أن يعيش تحت سلطة الأمر الواقع حتى لا يموت جوعاً أوتعذيباً. المفارقة هنا ليست سياسية فقط بل أخلاقية أيضاً. فالسلطة التي تقول للناس إن (التعاون مع الدعم السريع خيانة) هي نفسها التي تستقبل قادة الدعم السريع بالأحضان. كأن المشكلة ليست في الجريمة نفسها بل في رتبة مرتكبها. إذا كنت مواطناً عادياً وجدت نفسك داخل مناطق الحرب ولم تكن تملك خياراً، ليس لديك طائرة خاصة لتهرب بها ولا حساباً بنكياً في الخارج، ولا موكباً مسلحاً يشق لك الطريق وكنت فقط تحاول النجاة فالقانون فوق رأسك ويطبق عليك بوحشية، أما إذا كنت قائداً مسلحاً ومعك رجال وبنادق وسيارات دفع رباعي، فالقانون يتحول إلى موظف استقبال يرحب بك قائلاً (نورت الوطن وحللت اهلا ونزلت سهلا) هكذا بكل بساطة. فالقانون يتحول إلى موظف علاقات عامة يرحب بك ويعيد لك املاكك واموالك ويبحث لك عن وظيفة مرموقة.. ففي سودان حرب العجائب لا يحاسِب من خاضها وارتكب كبائرها بل من علق تحت أنقاضها لا حول له ولاقوة، والأكثر سخرية أن بعض الذين يحاكمون اليوم بتهمة (التعاون) هم بالضرورة أقل علاقة بالدعم السريع من أولئك الذين يجلسون الآن في قاعة مكيفة يناقشون مستقبل الوطن بابتسامة رجال دولة مسؤولين.مع إن بعض قادة المليشيات الذين أصبحوا فجأة رجال دولة محترمين، كان وجودهم نفسه كفيلاً قبل بضعة ايام بإثارة الرعب في أي منطقة سودانية. لكن يبدو أن الجرائم في مفهوم حكومة بورتسودان لها تاريخ صلاحية. إذا كنت مهزوماً فهي جرائم ضد الإنسانية، وإذا أصبحت مفيداً في التسوية فهي (تعقيدات مرحلة) يجب تجاوزها من أجل الوطن، والذين كانوا قبل أيام معدودات يتحدثون عن (الخونة والمتعاونين) صاروا اليوم يستقبلون بعض قادة المليشيات وكأنهم عائدون من رحلة دبلوماسية ناجحة لا من مواكب الدم والخراب.

والأكثر قذارة أن الضحايا أنفسهم يطلب منهم الصمت باسم (المصلحة الوطنية(…أي مصلحة وطنية هذه التي تبنى فوق جماجم الناس، وأي وطن هذا الذي يربت على كتف القاتل ثم يضع الحبل حول رقبة الضحية.. أي وطن هذا الذي يطلب من ضحاياه أن يبتلعوا دمهم بصمت بينما تفرش السجادة الحمراء لجلاديهم، ثم يحدثونك بعد ذلك يا للعجب عن هيبة الدولة.. فأي هيبة تبقى لدولة يرى فيها الناس أن حمل السلاح أكثر أماناً من حمل البراءة، وأي معنى للقانون حين يصبح مجرد عصا تستخدم ضد الضعفاء فقط..في الدول الطبيعية تبنى المصالحات على الحقيقة والمحاسبة والاعتراف والإنصاف. أما هذا الذي يحدث فهو معادلة مختلفة ومعتلة فحواها احرق المدينة أولاً ثم عد إليها بعد ذلك قائداً محترماً. لقد تحولت العدالة في السودان إلى نكتة قاتمة السواد. نكتة تقول إن المواطن الأعزل يمكن أن يعدم لأنه عاش تحت سلطة المليشيا، بينما قائد المليشيا نفسه قد يعود غداً (رمزاً وطنياً) يلتقط الصور ويتحدث عن السلام والاستقرار. وهكذا يصبح الوطن أشبه بمسرح عبثي ضخم، الجلاد في الصف الأول والضحية في قفص الاتهام.. في حرب العجائب اليوم لا تحتاج إلى سجل نظيف كي تصبح شخصية محترمة. كل ما تحتاجه هو عدد كاف من البنادق، واسالة دماء كم من الضحايا قل أو كثر، وبعض الوقت حتى تتبدل التحالفات ويبدأ موسم إعادة تدوير المجرمين تحت شعار العودة إلى حضن الوطن(…تحرق القرى.. تنهب البيوت.. تقتل المدنيين..تغتصب الحرائر.. لا مشكلة..المشكلة ان تقول لا للحرب وتطالب بوقف اهدار دماء المدنيين العزل الابرياء وانقاذ من تبقوا على قيد الحياة من الجوع والمرض وانقاذ ما تبقى من اعيان وبنى تحتية..

إن الفظائع التي ارتكبت في المدن والقرى لا تزال حية في ذاكرة الناس،

بيوت منهوبة، نساء مكسورات، أسر مذبوحة، أحياء تحولت إلى مقابر مفتوحة. لكن فجأة يظهر من يحدثك أن كل ذلك يجب أن ينسى لأن الوطن يحتاج إلى (التوافق(..التوافق الذي يعني عندهم أن يدفع المدنيون الفاتورة بينما يتقاسم المسلحون الغنيمة. والرسالة التي ترسلها هذه المهزلة أخطر من الحرب نفسها، وفحواها إذا أردت أن تكون محترماً في هذا البلد فلا تكن طبيباً أو معلماً أو صحفياً أو قاضياً. احمل بندقية كوّن مليشيا، أرعب الناس، وعندما تتعب من القتل ستجد دائماً من يفتح لك أبواب (حضن الوطن)، أما المواطن الأعزل مطلوب منه أن يموت بصمت، وإن نجا فعليه أن يثبت أنه لم يتعاون مع الذين كانوا يسيطرون على الشارع والسوق والحي وحتى الهواء.. إنها ليست أزمة قانون فقط بل انهيار كامل لفكرة الدولة نفسها. الدولة التي تكافئ القوة وتعاقب الضعف تتحول تلقائياً إلى غابة كبيرة، والغابة لا تنتج سلاماً بل تنتج وحوشاً جديدة أكثر جوعاً ووحشية. ولهذا لا تبدو المشكلة في أن بعض قادة الدعم السريع عادوا إلى(حضن الوطن) فقط، بل في الرسالة الكارثية التي تقول لكل سوداني مستقبلاً إذا أردت الافلات من العقاب تأكد فقط أنك تحمل سلاحاً أكبر من سلاح الدولة..

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات