الثلاثاء, مايو 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيوهم الجزرة الأمريكية والكنز الصيني المفقود.. كيف يصحح السودان بوصلته الاستراتيجية؟

وهم الجزرة الأمريكية والكنز الصيني المفقود.. كيف يصحح السودان بوصلته الاستراتيجية؟

خاص سودان تمورو

منذ عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري، لم تكن للخرطوم علاقات دافئة ومستقرة مع الولايات المتحدة والمعسكر الغربي، مما دفع النميري حينها ليمم شطره نحو روسيا، قبل أن يعيد الرئيس عمر البشير توجيه البوصلة نحو بناء علاقات متينة مع الصين. لقد لعبت بكين دوراً محورياً في مساعدة السودان على تجاوز حصار خانق، واستفادت الخرطوم اقتصادياً وسياسياً من هذا التقارب. لكن العصب الحساس في هذه العلاقات تمثل دائماً في نظرة المعسكر الشرقي للسودان؛ إذ كانت موسكو وبكين تدركان أن التقارب السوداني معهما لم يكن خياراً استراتيجياً خالصاً، بل كان تكتيكاً وليد الضرورة بعد أن أوصد الغرب أبوابه. ومع مجيء حكومة الثورة، وقعت الخرطوم في خطأ استراتيجي فادح بإهمال الملفين الصيني والروسي بصورة شبه كاملة، لنصحو على واقع مرير: لقد فرطنا في بناء علاقات استراتيجية مع التنين الصيني، ولم ننل “الجزرة” الأمريكية الموعودة، بل استمر السودان في تلقي ضربات عصا واشنطن بلا هوادة.

اليوم، إذا أراد السودان الخروج من حالة التخبط ورد الفعل، والانتقال إلى بناء شراكة حقيقية ترقى لمستوى التحالف الاستراتيجي مع الصين، وفهم الحدود الواقعية للدور الروسي، وإدارة ملفاته المعقدة مع دول الجوار، فهو بحاجة إلى ما هو أبعد من الشعارات العاطفية. يتطلب الأمر جهازاً دبلوماسياً محترفاً ومتناغماً، يعمل بعيداً عن حمى التجاذبات السياسية الشعبوية. إن إحداث هذا التحول يستوجب تنسيقاً عميقاً بين وزارة الخارجية، المؤسسات الأمنية والعسكرية، القطاع الاقتصادي، إدارة الموانئ البحرية، والبنك المركزي. فالسياسة الخارجية في هذا المستوى المعقد لم تعد مجرد تبادل للرسائل الدبلوماسية، بل باتت أمناً قومياً يرتبط بأمن البحر الأحمر، الممرات الملاحية، التجارة، الغذاء، الدواء، إدارة الأزمات، وبناء السرديات الوطنية. وإذا حاولت أي جهة استغلال هذه الملفات لمصالح فئوية أو تنافس داخلي، فإن أي استراتيجية وطنية ستتآكل قبل أن يبدأ تنفيذها.

من أخطر المزالق التي تواجه الدولة السودانية اليوم هو تحويل الملفات الاستراتيجية الحساسة إلى ساحات للتراشق الداخلي والمزايدات. إن تحديد مسار العلاقة مع الصين وروسيا والولايات المتحدة ودول الإقليم يجب ألا يتحول إلى مادة للاستهلاك الإعلامي أو أداة لإثبات من هو الأكثر ثورية أو عملية أو قرباً من الغرب. الدبلوماسية في لحظات التحول التاريخية تتطلب حداً أدنى من الإجماع النخبوي، وتقسيماً واضحاً للأدوار، ومحافَظةً على السرية المهنية، وابتعاداً تاماً عن الاستعراض السياسي، حتى لا تفقد الدولة تماسكها وقدرتها على تنفيذ رؤية موحدة.

في هذا السياق، لابد لوزارة الخارجية السودانية أن تتجاوز دورها التقليدي المتمثل في المراسلات وإصدار البيانات، لتصبح مركزاً حقيقياً لإنتاج المعرفة الاستراتيجية. العلاقة مع الصين، على سبيل المثال، ليست ملفاً عاماً يُدار بالنوايا، بل هي شبكة معقدة تشمل أمن البحر الأحمر، الموانئ، النفط، التمويل، البنية التحتية، التكنولوجيا، وتوازنات بكين مع واشنطن والقوى الإقليمية. وبالمثل، فإن العلاقة مع روسيا ليست مجرد “انفتاح على الشرق”، بل تتطلب فهماً دقيقاً لحاجة موسكو لأوراق ضغط جيوسياسية وحدود ما يمكن أن تقدمه للخرطوم فعلياً بعيداً عن الوعود البراقة.

لا يمكن لصانع القرار السوداني أن يستمر في رؤية العالم من خلال عدسات الإعلام الغربي أو التقارير السطحية الموجهة. المشكلة ليست دائماً في نقص المعلومات، بل أحياناً في وفرة المعلومات غير المبوبة وغياب الإطار التحليلي العميق الذي يقرأ كل فاعل دولي من خلال تاريخه، اقتصاده السياسي، ومصالحه الحقيقية. لفهم كيف تفكر بكين تجاه الخرطوم، يجب إدراك كيف توازن الصين علاقاتها في إفريقيا والشرق الأوسط. وللتعامل مع واشنطن، يجب التمييز بدقة بين توجهات الإدارة الأمريكية، الكونغرس، البنتاغون، ومراكز الضغط، بعيداً عن التعميم المخل.

إن السودان بحاجة ماسة إلى ما يمكن تسميته بـ “غرفة عمليات استراتيجية عابرة للقطاعات”، مؤسسة لا تكتفي بتقديم التوصيات الكلية، بل تصيغ خرائط تنفيذية دقيقة لكل مسار: من يفاوض؟ بأي رسالة؟ وفي أي مستوى؟ وما هي التنازلات الممكنة والخطوط الحمراء والبدائل؟ إن الاستراتيجية من دون خطة تنفيذية مجرد حبر على ورق، والخطة التنفيذية من دون استراتيجية هي بيروقراطية عمياء. ومهمة الخرطوم اليوم هي الربط العاجل بينهما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، واستعادة وزن السودان الجيوسياسي الذي ضاع بين الأوهام المتبددة والفرص المهدورة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات