سودان تمورو:
في خضم التوترات المتصاعدة التي تحبس أنفاس الشرق الأوسط، وفي تقديري كمراقب من الخرطوم يقرأ ما بين سطور الاستراتيجيات الأميركية، لا يمكن المرور مرور الكرام على مشهد التهديدات المتكررة التي يطلقها دونالد ترامب ضد طهران. طوال فترات التصعيد، وتحديداً في أوقات الهدنة، لا ينفك ترامب عن التلويح بالإبادة الشاملة، مستعيناً بتقنيات الذكاء الاصطناعي لترويج صور ومقاطع مصممة بعناية تظهر دماراً مروعاً للبنية التحتية الإيرانية وخراباً يعم البلاد. قد يميل البعض إلى تسطيح هذا السلوك ورده إلى الطبيعة الانفعالية لترامب أو حماقته السياسية المتأصلة ومشاعر الإحباط والعجز، لكن القراءة العميقة تكشف أننا لسنا أمام مجرد هذيان عابر، بل أمام حلقة مركزية ضمن مشروع “هجين” ومصمم بدقة لتمهيد المسرح للمرحلة العسكرية القادمة.
تستند هذه الهندسة الأميركية الجديدة إلى إدراك واشنطن لحقيقتين أساسيتين تقيدان حركتها الاستراتيجية. الحقيقة الأولى تتمثل في عجزها المطلق عن الانخراط في حرب استنزاف طويلة الأمد، فمخزوناتها التسليحية تعاني من استنزاف واضح، وأزمة الطاقة العالمية تقف على حافة الانفجار بما لا يحتمل أي مغامرات ممتدة. أما الحقيقة الثانية، فهي اليقين بأن تكرار سيناريوهات المواجهات المحدودة، على غرار “حرب الأربعين يوماً”، لن يجلب سوى الخيبة الاستراتيجية، وسيفضي مجدداً إلى طريق مسدود بلا أي إنجاز يُذكر على الأرض.
أمام هذا المأزق، لم يتبقَّ للإدارة الأميركية سوى الرهان على “وصفة ثلاثية الأبعاد”، تشكل الملاذ الأخير لمحاولة كسر طهران. يعتمد الضلع الأول من هذه الوصفة على توجيه ضربة افتتاحية صاعقة ومدمرة؛ هجوم واسع النطاق، ثقيل، وغير متوقع، يستهدف البنية التحتية الحيوية ويتزامن مع عمليات اغتيال دقيقة في الساعات الأولى. الهدف هنا ليس عسكرياً فحسب، بل هو إدراكيا بالدرجة الأولى، حيث يُراد للوعي الجمعي الإيراني أن يستدعي فوراً تلك الصور المرعبة التي صنعها الذكاء الاصطناعي وروجها ترامب لأسابيع، لتترسخ قناعة قاتلة مفادها: “لقد حدث ما كان يتوعدنا به”.
ولكي تنجح هذه الضربة الافتتاحية في كيّ الوعي، يأتي الضلع الثاني المتمثل في الإعداد النفسي والاقتصادي المسبق. وهذا يفسر التكتيك الخبيث بإطالة أمد الهدنة المتقطعة؛ ليس رغبة في السلام، بل لتعميق جراح الأزمة الاقتصادية، وخلق حالة من الإحباط واليأس، بالتوازي مع قصف إدراكي مستمر بالتهديدات اليومية والصور المصطنعة لزرع الهزيمة النفسية كـ “فكرة مسبقة” في الرأي العام.
أما الضلع الثالث والأخطر، فهو ما يمكن تسميته بـ “تفعيل تيار الاستسلام”. فبالتزامن مع صدمة الضربة الأولى، يتم تحريك أصوات محددة في الداخل والخارج لتعزف على وتر المظلومية العقلانية، مرددة شعارات من قبيل: “كفى دفعاً للأثمان”، “يجب إنقاذ ما تبقى من بنية تحتية”، و”لابد من إيقاف الحرب فوراً”. وفي ظل أجواء الضغط الاقتصادي الخانق والصدمة العسكرية والترويع النفسي، يُراد لهذه الأصوات أن تجد صدى واسعاً يكسر إرادة الصمود ويفرض التراجع.
في المحصلة، إن هذه الوصفة الثلاثية ليست خياراً ترفيهياً، بل هي الفرصة اليتيمة التي تراها واشنطن وحلفاؤها قابلة للتطبيق. فإذا ما سقط هذا الرهان وتبددت فاعلية الصدمة الأولى، فإن المحور الأميركي سيجد نفسه أمام فشل أشد مرارة من تجاربه السابقة، خاصة وأن طهران قد استوعبت جيداً دروس المواجهات الماضية، وعملت على سد الثغرات وتحصين جبهتها، مدركة أن المعركة الحقيقية تُحسم في الوعي قبل الميدان.
